
في الصباح، قبل أن يستيقظ العالم من حولي، يأتيني صوته. لا أراه، لكنني أسمعه بين أوراق الشجر في حديقتي، يشدو بلحن رخيم، وكأنه يحاورني. أصفر له، فيرد. أظل لحظات أظن أنني أتبادل معه كلامًا، حتى أتذكر أنه طائر، وأنني إنسان يُسقط على العالم من حوله حاجته إلى أن يُفهَم وأن يَفهَم.
بحثت عن هذا المُغني الخفي، فوجدته “الشحرور” أو “الميرلا”، بحجم اليمامة، أسود اللون الفاحم، بمنقار يتدرج من البرتقالي إلى الأحمر. وهو، كما تخبرني المصادر العلمية، من أكثر طيور الحدائق تطريبًا؛ يبدأ الذكر الغناء في أواخر الشتاء ليُعلن عن أرضه، ثم يتصاعد لحنه في الربيع، متنوعًا في نغماته، قادرًا حتى على محاكاة أصوات لم يسمعها من جنسه.
هنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل هذا الشدو “كلام”، أم “غريزة” فقط؟
يقول العلم إن للغناء عند هذا الطائر وظيفتين: أن يجتذب أنثى، وأن يُبعد ذكرًا منافسًا عن أرضه. غناء أكثر تعقيدًا وتنوعًا يعني عند الأنثى مؤشرًا على قوة الذكر وجودة جيناته، فتختار على أساسه. من منظور بيولوجي بحت.
إذن، هو لغة تفاوض على البقاء والتكاثر، لا أكثر. لكن هذا التفسير، على دقته العلمية، لا يُجيب عن السؤال الأعمق الذي يقلق الفلاسفة منذ عقود: هل هناك “شيء ما يشبه أن تكون طائرًا”؟ بمعنى: هل للطائر تجربة داخلية، شعور بالفعل الذي يفعله، أم أنه مجرد آلة عضوية تُنفّذ برنامجًا بيولوجيًا محكمًا دون أن “يشعر” بشيء البتة؟
حين يشدو الطائر ، دون أنثى تسمعه ودون منافس يتحداه، هل هو يفعل ما يفعله الفنان حين يرسم وحده، لا لسبب ولا لتفاخر، بل لأن الجمال يطلب أن يخرج؟
العلم يميل إلى تفسير غرائزي: بقايا برنامج بيولوجي يعمل حتى بلا مناسبة مباشرة له. لكن الفلسفة تُبقي الباب مواربًا لاحتمال آخر: أن تكون هناك درجات من الوعي، لا حدًّا فاصلًا بين “كائن يشعر” و”كائن لا يشعر”، وأن الطائر قد يقف في مكان ما على هذا المدى، أقرب إلى التجربة الداخلية مما نتصوره حين نختزله في “غريزة” فحسب.
وجدت نفسي ابتسم وانا أحاور الشحرور ، وخطر ببالي
تساؤل هل تبتسم الطيور!!، أم أن الابتسام خاصية إنسانية بحتة.
الابتسامة عند الإنسان ليست مجرد انقباض عضلي في الوجه؛ إنها إعلان عن معنى داخلي: رضا، ودّ، سخرية، ارتباك، حتى الحزن المُقنَّع أحيانًا يرتدي قناع الابتسام.
إنها لغة العاطفة حين تتجاوز الكلمات، ولا تُقاس بمجرد الشكل الخارجي بل بما تخفيه من قصد.
والطيور، على ما نعرف تشريحيًا، لا تملك عضلات الوجه التي تُنتج هذا التعبير بعينه، فلا “تبتسم” بالمعنى الحرفي. لكنها تُعبّر، بطرقها الخاصة: بريش يُنفَش، برأس يميل، وقبل كل شيء بصوت يتلوّن حسب الحالة.
لعل السؤال الأدق ليس “هل تبتسم الطيور؟” بل “هل يحتاج الكائن أن يبتسم كي يكون سعيدًا؟”
الإنسان وحده يعقد هذه المعادلة، لأنه وحده الكائن الذي يسأل نفسه: هل أنا سعيد؟ ويحتاج لإثبات ذلك على وجهه، بل وأمام الآخرين.
أما الطائر، فربما يعيش لحظته الجمالية دون أن يسأل عنها، ودون أن يحتاج لأن يُثبتها لأحد — لا لنفسه ولا لغيره.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: أن يكون وعينا بذواتنا، الذي نعتبره تاج ما يميزنا، هو بالضبط ما يحرمنا من تلك البراءة التي قد يعيشها كائن أبسط منا، لا يسأل، بل يشدو فحسب.
فالوعي، حين يستيقظ، لا يكتفي بأن “يكون” — بل يريد أن “يعرف أنه كائن”، وأن يُقيّم ما يشعر به، وأن يُثبته أمام مرآة الآخرين.
قد تكون هذه هي اللحظة التي يتفرد فيها الإنسان عن بقية الكون: حين يتحول الشعور الخام إلى سؤال عن الشعور. الطائر يشدو فيكون الشدو ذاته غايته. أما الإنسان فيشدو، ثم يسأل: لماذا أشدو؟ وهل شدوي جميل؟ وهل يسمعني أحد؟ وفي هذا السؤال بالذات، لا في الصوت، يولد ما نسميه المعنى.
ولعل هذا هو جوهر الحكاية الكبرى للوعي: أن الكون بدأ صامتًا، ثم صار فيه من يسمع، ثم صار في هذا السامع من يسأل عمّا يسمع. الشحرور يمثل تلك المرحلة الوسطى العجيبة: كائن يملك صوتًا، وربما إحساسًا خافتًا بما يفعل، لكنه لا يملك ذلك الانعطاف الأخير الذي يجعله يقف خارج نفسه ليتأمل تجربته. أما نحن، فقد مُنحنا ذلك الانعطاف، بكل ثقله وبركته معًا: نستطيع أن نتذوق الجمال ونعيه في اللحظة ذاتها، لكننا أيضًا لا نستطيع أن نتوقف عن السؤال، حتى في أكثر لحظات الفطرة صفاءً.
وحين أستمع كل صباح لشحروري، أدرك أن ما يبهرني فيه ليس فقط جمال الصوت، بل هذا الغموض بالذات
أنني لا أستطيع أن أجزم أهو يخاطبني، أم أنني أنا من يُسقط عليه حاجتي إلى أن أُخاطَب. ولعل في هذا الغموض نفسه سرّ من أسرار الجمال: أن يبقى بعض ما في الطبيعة بلا تفسير كامل، فيتسع المجال للدهشة، وتتسع الروح للتسامي بصمت لا يحتاج كلمات: سبحان من خلق فأبدع.
فيديو حديثي مع الميرلا :




