بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: الاتفاق الإبراهيمي.. مشروع سلام أم مشروع إعادة تشكيل للشرق الأوسط؟

في السنوات الأخيرة، بدأ يتكرر في الأخبار اسم قد يبدو غريبًا على كثير من الناس: “الاتفاق الإبراهيمي”.

يسمع المواطن هذا الاسم، لكنه قد لا يعرف هل هو اتفاق ديني؟ أم سياسي؟ أم اقتصادي؟ ولماذا تدعمه الولايات المتحدة بكل هذا الحماس؟
الحقيقة أن الاتفاق الإبراهيمي بدأ كاتفاق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، لكنه مع الوقت أصبح مشروعًا أكبر بكثير من مجرد تبادل السفراء أو فتح خطوط الطيران.

فكرة المشروع تقوم على أن دول المنطقة، بدلًا من أن تبقى أسيرة الصراعات القديمة، تبدأ في بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية تجعل التعاون أكثر فائدة من الخصومة.

اختارت الولايات المتحدة اسم “إبراهيم” لأن المسلمين والمسيحيين واليهود جميعًا يعتبرونه أبًا روحيًا لهم، وكأن الرسالة تقول إن الشعوب التي يجمعها تاريخ واحد يمكنها أن تتعاون بدلًا من أن تتقاتل.

على الورق تبدو الفكرة جميلة، فمن منا لا يريد شرقًا أوسط أكثر استقرارًا؟ ومن لا يريد فرص عمل أكثر، واستثمارات أكبر، وتعاونًا علميًا وتكنولوجيًا يفيد الشعوب؟ لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا فقط، بل بالنتائج أيضًا، وهنا يبدأ الجدل.

فأنصار المشروع يرون أنه فرصة تاريخية لإنهاء عقود من العداء، وأن التنمية الاقتصادية قد تفتح أبوابًا للسلام لم تستطع الحروب فتحها.
أما معارضوه فيرون أن المشكلة الأساسية في المنطقة لم تُحل بعد، وهي القضية الفلسطينية.

ويطرحون سؤالًا منطقيًا: كيف يمكن بناء سلام دائم بينما لا يزال ملايين الفلسطينيين يشعرون أن حقوقهم الوطنية مسلوبة؟

لذلك يرى الكثيرين أن الاتفاق الإبراهيمي يضع العربة أمام الحصان، فيبدأ بالتطبيع قبل الوصول إلى تسوية عادلة للصراع.

أما الولايات المتحدة فتعتقد أن العكس هو الصحيح؛ أي أن بناء شبكة من المصالح المشتركة قد يساعد لاحقًا في الوصول إلى حلول سياسية أكثر واقعية، وبين هذين الرأيين يستمر النقاش.

لكن بعيدًا عن المواقف السياسية، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها: الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل كبيرة، التحالفات القديمة تتغير،
والاقتصاد أصبح أداة نفوذ لا تقل أهمية عن الجيوش، والتكنولوجيا أصبحت سلاحًا استراتيجيًا جديدًا.

وفي هذا العالم المتغير، تحاول كل دولة أن تبحث عن موقعها ومصالحها ومستقبل أجيالها.

بالنسبة لمصر، يظل المبدأ ثابتًا كما كان دائمًا: السلام هدف نبيل، لكن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا إذا شعر جميع الأطراف بالعدل والأمان والكرامة.

فالسلام الذي يُبنى على المصالح وحدها قد يستمر سنوات، أما السلام الذي يُبنى على العدالة فيمكن أن يستمر أجيالًا.

وربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي سيحدد مستقبل المنطقة كلها: هل يستطيع المشروع الإبراهيمي أن يتحول من مجرد ترتيبات سياسية واقتصادية إلى سلام شامل يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في المستقبل؟
الإجابة في رأيي لا .

المؤكد أن ما يحدث اليوم ليس مجرد اتفاق بين دول، بل محاولة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
لسنوات وربما للعقود القادمة.

هناك فرق بين السلام كغياب للحرب والسلام كحالة من العدالة والتوازن.

السؤال هو: هل يصنع الاقتصاد ما عجزت عنه السياسة بالاتفاق الإبراهيمي؟

فلننظر لموقف تركيا ومصر: موقف تركيا من الاتفاق الإبراهيمي مثلا معقد، لأنه يجمع بين الاعتراض السياسي والبراغماتية العملية في الوقت نفسه.

لقد عارضت تركيا الاتفاق في البداية،
منذ وُقّعت الاتفاقات عام 2020، وكانت حكومة اردوغان من أشد المنتقدين لها، ورأت أن بعض الدول العربية قامت بالتطبيع مع إسرائيل دون الحصول على مقابل حقيقي للفلسطينيين، وأن ذلك أضعف الموقف الفلسطيني.

المفارقة التركية كانت انه رغم هذا الاعتراض، فإن تركيا نفسها كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل منذ عام ١٩٤٩ ، ولديها علاقات دبلوماسية معها منذ عقود طويلة.

خلال السنوات التالية بدأت تركيا في تحسين علاقاتها مع عدد من الدول الخليجية التي انضمت إلى الاتفاق الإبراهيمي، كما شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية فترات من التقارب ثم التوتر من جديد. وقد رأى بعض المحللين أن أنقرة لا تريد أن تجد نفسها خارج أي نظام إقليمي جديد يتشكل في الشرق الأوسط.

في الأشهر الأخيرة دعا الرئيس الأمريكي تركيا إلى الانضمام إلى الإطار الإقليمي المرتبط بالاتفاقات الإبراهيمية، لكن أنقرة ردت بأنها لا ترفض مبدأ العلاقات مع إسرائيل من حيث الأصل، وإنما تربط أي تطور كبير بتحسن الأوضاع الفلسطينية ووقف العمليات العسكرية في غزة.

وقد صرح وزير الخارجية التركي بأن استئناف العلاقات الطبيعية الكاملة مرهون بوقف القتل والسماح بدخول الاحتياجات الأساسية إلى غزة.

باختصار شديد تركيا ليست ضد التطبيع مع إسرائيل من حيث المبدأ، فهي تعترف بها منذ أكثر من ٧٥ عامًا، لكنها ترفض الانضمام إلى المشروع الإبراهيمي بصورته الحالية ما لم يتضمن تقدمًا واضحًا في القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لا ترغب في أن تُستبعد من أي نظام إقليمي جديد يتشكل في الشرق الأوسط.

وأظن أن هذه النقطة بالذات قد تكون مثيرة للاهتمام في أي فكر نطرحه: هل أصبح الصراع في المنطقة بين “معسكر التطبيع” و”معسكر الرفض”؟ أم أن معظم الدول، بما فيها تركيا، تتحرك اليوم وفق حسابات المصالح الإقليمية أكثر من الشعارات الأيديولوجية؟ هذا السؤال ربما يفسر كثيرًا مما يحدث في الشرق الأوسط المعاصر.

مصر في الجانب الآخر هي أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، ومنذ أكثر من أربعة عقود توجد علاقات دبلوماسية كاملة، وتعاون أمني في بعض الملفات، واتفاقات اقتصادية وتجارية متعددة، بل وتعاون في مجال الطاقة والغاز في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لم يتحول هذا السلام الرسمي إلى قبول شعبي ولا توافق.

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب متداخلة:

أولاً: الوجدان التاريخي

فأجيال متعاقبة من المصريين عاشت حروب 1948 و1956 و1967 و1973، وسقط فيها آلاف الشهداء. هذه الذاكرة الوطنية لا تختفي بسهولة من الوعي الجمعي.

ثانياً: القضية الفلسطينية

بالنسبة لكثير من المصريين، لا يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها مجرد دولة مجاورة، بل باعتبارها طرفًا في صراع مستمر مع الشعب الفلسطيني. وكلما تصاعدت الأحداث في غزة أو الضفة الغربية عاد الرفض الشعبي للواجهة بقوة.

ثالثاً: الفرق بين السلام والتطبيع

هناك قطاع واسع من المصريين يقبل السلام باعتباره ضرورة لمنع الحرب، لكنه لا يرى أن ذلك يقتضي علاقات ثقافية أو اجتماعية أو وجدانية طبيعية. لذلك ظهر التعبير الشهير: “سلام بين الحكومات لا بين الشعوب.”

رابعاً: غياب الثقة

كثير من المصريين لا يزالون يشككون في نوايا إسرائيل الاستراتيجية تجاه المنطقة، ويرون أن الصراع لم يُحل جذريًا بل جرى تجميده.

ولهذا ظهرت عبر العقود عبارة “السلام البارد” لوصف العلاقات المصرية الإسرائيلية؛ فالعلاقات الرسمية قائمة ومستقرة، لكن العلاقات الشعبية والثقافية ظلت محدودة مقارنة بما يحدث عادة بين الدول التي تصالحت بالكامل.

ومن زاوية فكرية أوسع، يمكن القول إن مصر تقدم نموذجًا فريدًا:

فهي دولة اختارت السلام الاستراتيجي منذ عام 1979، لكنها لم تشهد حتى اليوم مصالحة شعبية شاملة مع إسرائيل. وهذا يثير سؤالًا مهمًا:

هل يكفي توقيع المعاهدات لصناعة السلام؟ أم أن السلام الحقيقي يحتاج إلى شعور متبادل بالعدالة والثقة واحترام حقوق جميع الأطراف؟

وربما لهذا السبب تحديدًا يختلف موقف قطاعات واسعة من المصريين عن الرؤية الأمريكية للاتفاقات الإبراهيمية، فبينما ترى واشنطن أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يقود إلى قبول سياسي وشعبي مع الزمن، يرى كثير من المصريين أن معالجة جوهر القضية الفلسطينية هي التي تفتح الباب لسلام شعبي حقيقي، وليس العكس.

وهذه النقطة قد تكون مدخلًا مهمًا جدًا في الكلام عن الاتفاق الإبراهيمي، الفرق بين السلام الرسمي والسلام المجتمعي، وبين توقيع الاتفاقات وكسب وجدان الشعوب، فالتاريخ المصري خلال العقود الخمسة الماضية يقدم مثالًا حيًا على هذا الفرق.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى