
كثيرًا ما نسمع في الخطاب السياسي كلمات كبيرة مثل السيادة الوطنية والاستقلال السياسي والقرار الوطني المستقل.
لكن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه على أنفسنا هو:
هل الاستقلال السياسي قرار سياسي أم نتيجة لقوة اقتصادية وامكانات تكنولوچية ؟
فالدول، مثل الأفراد، لا تعيش بالشعارات وحدها.
قد يعلن إنسان استقلاله عن الآخرين، لكنه إذا كان يعتمد عليهم في طعامه ودوائه ودخله فلن يكون مستقلاً بالمعنى الحقيقي.
والأمر نفسه ينطبق على الدول.
لقد تغير العالم كثيرًا خلال العقود الأخيرة. لم تعد القوة العسكرية وحدها هي مصدر النفوذ، بل أصبحت القدرة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية هي الأساس الذي تُبنى عليه السيادة الفعلية.
فالقرار السياسي الحر لا يُصنع فقط في القصور الرئاسية أو البرلمانات، بل يُصنع أيضًا في المصانع والجامعات والمزارع ومراكز البحث العلمي.
الدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها الأساسي تصبح أكثر هشاشة عند الأزمات.
والدولة التي تعتمد على الاقتراض المستمر لتمويل احتياجاتها تصبح أكثر حساسية لضغوط الدائنين.
والدولة التي تستورد التكنولوجيا كلها تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط من يملكون المعرفة.
لذلك فإن الحديث عن الاستقلال السياسي يجب أن يبدأ من سؤال آخر:
كيف نبني استقلالًا اقتصاديًا حقيقيًا؟
في رأيي، هناك عشرة مفاتيح رئيسية لذلك.
أولها خفض الاعتماد على الديون الخارجية، ليس برفض الاقتراض مطلقًا، بل باستخدامه فقط في مشروعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة وتولد موارد جديدة.
يسير موازيا لذلك رقابة علي كيفية الإنفاق والمحاسبية.
وثانيها مضاعفة القدرة التصديرية للاقتصاد المصري، لأن الدولة التي تبيع للعالم أكثر مما تشتري منه تملك حرية حركة أكبر بكثير من الدولة التي تعيش على الاقتراض أو المساعدات.
وثالثها تعزيز الأمن الغذائي، لأن رغيف الخبز بمعناه الفعلي والرمزي ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل هو عنصر من عناصر الأمن القومي.
ورابعها إطلاق طاقات القطاع الخاص المنتج، بحيث تصبح الدولة منظمًا ومحفزًا للنشاط الاقتصادي أكثر من كونها منافسًا له.
وخامسها إصلاح حقيقي مستدام للتعليم وربطه بالتكنولوجيا الحديثة وبناء شخصية شباب المستقبل.
فالمعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست معركة موارد طبيعية فقط، بل معركة عقول ومعرفة.
وسادسها تحويل الموقع الجغرافي الفريد لمصر إلى قيمة اقتصادية مضافة.
فقناة السويس مثلاً وحدها ليست الهدف، بل ما يمكن أن ينشأ حولها من صناعات وخدمات ومراكز لوجستية تجعل مصر جزءًا أساسيًا من سلاسل التجارة العالمية.
وسابعها تنويع العلاقات الاقتصادية الدولية، بحيث لا تعتمد الدولة على شريك واحد أو محور واحد.
فالاستقلال لا يعني العزلة، بل يعني القدرة على التعامل مع الجميع دون الارتهان لأحد.
وثامنها تشجيع الابتكار والبحث العلمي، وإنتاج المعرفة لأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحت اليوم أحد أهم مصادر القوة الوطنية.
وتاسعها بناء نظام ضريبي عادل يوسع قاعدة المشاركة دون أن يخنق الاستثمار والإنتاج.
أما المفتاح العاشر والأهم، فهو بناء الثقة.
الثقة بين الدولة والمواطن.
والثقة بين المستثمر والمؤسسات.
والثقة بين المجتمع ومستقبله.
فالثقة نفسها أصبحت أحد أهم أصول الاقتصاد الحديث.
إن الاستقلال السياسي لا يتحقق بالخطب الحماسية ولا بالشعارات الوطنية وحدها.
إنه يتحقق عندما تستطيع الدولة أن تتخذ قراراتها الكبرى وهي مطمئنة إلى أن غذاءها آمن، واقتصادها منتج، وتعليمها متطور، وديونها تحت السيطرة، وعلاقاتها الدولية متوازنة.
عندها فقط يصبح القرار السياسي تعبيرًا عن الإرادة الوطنية، لا استجابة لضرورات اقتصادية مفروضة.
ولعل الدرس الأهم في عالم اليوم هو أن السيادة الحقيقية لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم السلاح، بل بقدرة الدولة على الوقوف على قدميها اقتصاديًا.
فالاستقلال السياسي لا يبدأ من وزارة الخارجية ، إنه يبدأ من المدرسة، والمزرعة، والمصنع، والمختبر.
ويبدأ قبل كل شيء من اقتصاد قادر على منح الوطن حرية الاختيار.�
إنني اكتب هذا المقال وفي ذهني أن يكون حلقة ضمن سلسلة أوسع عن “القوة والسيادة في القرن الحادي والعشرين” إلى جانب مقالاتي السابقة عن القوة بين الوهم والحقيقة، ووهم كرسي السلطة، والعالم بين التفوق الأمريكي والتفكك الدولي، لأن الفكرة المركزية واحدة: القوة الحقيقية ليست ما نعلنه عن أنفسنا، بل ما نستطيع أن نفعله عندما نتعرض للضغوط.
ولا ننسي ان تحقيق هذا الاستقلال الذي يحمي الاختيار السياسي الدولي في هذا العالم المضطرب يعتمد علي ادارة داخلية قوية وحازمة ، وهذا لا يتحقق بدون توازن داخلي بين مؤسسات الدولة وفصل بين السلطات .
إنني أعي مأزق الديمقراطية الذي نعاني منه،فمصر تحتاج الي حكم قوي واعي، نريده ونسعي اليه ، إلا أن علينا حمايته من التحول الي سلطة مستبدة باقرار تداول السلطة السلمي كما جاء في الدستور .
لا نريد ثورات ولا انقلابات ولا فوضي، نريد استدامة في التنمية ، في إطار سياسي وضعه الدستور ، وهو التداول السلمي للسلطة.
إن مصر، بتاريخها العريق وموقعها المحوري وشعبها الذي أثبت على مر العصور قدرته على البقاء والتجديد، لديها من المقومات ما يكفي لأن تكون دولةً عظمي بالمعنى الحقيقي لا المعنى الشكلي. لكن هذا المسار لا يسلكه إلا من يملك شجاعة الإصلاح الداخلي قبل أن يتحدث عن الاستقلال الخارجي. فالدولة التي تضيق بالمحاسبة، وتخشى الرقابة، وتتهرب من تداول السلطة، لا تبني سيادةً، بل تبني قفصًا ذهبيًا تسميه استقلالًا.
الاستقلال الحقيقي يبدأ من الداخل، حين تتوازن السلطات وتتكامل المؤسسات ويشعر المواطن أنه شريك في القرار لا مجرد متلقٍّ لنتائجه.
ومصر اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة: أن تبني دولةً قادرة تحمي حريتها باقتصادها ومعرفتها وعدالتها، وإما أن تظل تردد كلمة السيادة في خطابٍ فارغ المحتوى. والاختيار، في نهاية المطاف، ليس اختيار الحكومات وحدها، بل هو اختيار الشعب الذي يعرف ما يريد ويصر على ما يستحق.
وللتذكرة : مصر هبة المصريين.




