
تخيّل سائحًا يقف عند سفح الهرم الأكبر، يرفع عينيه نحو قمته، فيشعر فجأة أنه لا يقف أمام حجارة، بل أمام زمنٍ يتكلم. هذا الشعور نفسه يتكرر، بصور مختلفة، فى كل بقعة من العالم: فى متحفٍ بباريس، فى فيلمٍ هوليوودى، فى كتابٍ مدرسى يابانى. اسمٌ واحد يتردد فى كل هذه المشاهد المتباعدة: مصر.
فالأمم كانت تُبنى بالجيوش والثروات، لكنها لا تُذكر إلا بشىءٍ آخر تمامًا. بعض الدول تملك القوة فتُخشى، وبعضها يملك الحضارة، والذاكرة فتُحب وتُذكر.
والذاكرة، والأثر لا القوة، هى ما يصنع الخلود فى وعى الإنسانية.
ما الذى يجعل اسم دولةٍ ما حاضرًا فى أذهان البشر بعد آلاف السنين، بينما تتلاشى أسماء إمبراطوريات كانت يومًا أقوى وأكثر ثراءً؟
فى عام 2025، كشف تقرير لمؤسسة جالوب أن صورة مصر لدى المواطن الأمريكى جاءت أكثر إيجابية من صورة إسرائيل، وهى نتيجة قد تبدو صادمة لمن يربط النفوذ بالقوة العسكرية أو بحجم الاقتصاد فقط أو بقوة اللوبى الصهيونى فى المجتمع الأمريكى. لكن المفاجأة الحقيقية ليست فى الأرقام، بل فى السؤال الذى تثيره: كيف تحافظ مصر على حضور عالمى يتجاوز حدود السياسة وتقلبات الزمن؟ فهناك دول تتفوق عليها اقتصاديًا، وأخرى تقود العالم تكنولوجيًا، وثالثة تملك نفوذًا سياسيًا أكبر فى اللحظة الراهنة. ومع ذلك، حين يُسأل طفل فى طوكيو أو باريس أو نيويورك عن حضارة قديمة، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه غالبًا هو الأهرامات وأبوالهول ونهر النيل. وفوق ذلك، لا تزال مصر تحتفظ بموقع استثنائى فى الجغرافيا العالمية. فقناة السويس ليست مجرد ممر مائى، بل شريان يربط الشرق بالغرب، ويجعل اسم مصر حاضراً يومياً فى حركة التجارة الدولية وفى حسابات الاقتصاد والسياسة معًا. فما سر هذا الحضور؟.
ربما لأن مصر ليست مجرد دولة، بل قصة إنسانية ممتدة. فبينما تصنع بعض الأمم نفوذها بالقوة، صنعت مصر مكانتها بالزمن؛ والزمن هو أعظم قوة ناعمة عرفتها البشرية. ولعل مصر هى الدولة الوحيدة تقريبًا التى نشأ حولها علم أكاديمى عالمى يحمل اسمها: «علم المصريات» أو Egyptology.
فهناك آلاف الباحثين وعشرات الأقسام الجامعية فى العالم تكرّس جهودها لدراسة مصر القديمة: لغتها، وآثارها، وفنونها، وأفكارها، وحياة شعبها قبل آلاف السنين. إن وجود علم باسم دولة ليس مجرد تكريم للماضى، بل اعتراف بأن هذه الدولة لم تكن حدثًا عابرًا فى التاريخ، بل كانت أحد صانعيه. ولذلك تبقى مصر حاضرة فى الوعى العالمى، لا لأنها الأغنى أو الأقوى دائمًا، بل لأنها من القلائل الذين استطاعوا أن يتحولوا من جغرافيا إلى حضارة، ومن حضارة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى جزء من هوية الإنسانية نفسها.
هناك إمبراطوريات حكمت العالم ثم اختفت، أما مصر فلم تحكم العالم كله، لكنها سكنت خيال العالم كله. وفى هذه الحقيقة بشارةٌ لا عزاء فحسب. فمصر التى صنعت رصيدها من الزمن، تملك اليوم ما لم تملكه فى أى عصر سابق: زمنًا قادمًا يُصنع بأيدٍ شابة بأعداد لم تشهدها فى تاريخها. فعدد من هم دون الخامسة عشرة يقترب من خمسة وثلاثين مليون طفل، وإذا أضفنا إليهم من هم فى عمر الشباب حتى الثلاثين، يقترب الرقم من خمسة وستين مليون نسمة، أى أكثر من نصف سكان مصر. هذا ليس عبئًا ديموغرافيًا كما يخشى بعضهم، بل طاقة تتجدد، وقوة لا تنتهى، ومورد حضارى جبار، إذا أُحسن تعليمه، وبُنيت مهاراته، وأُركب صاروخ المستقبل بدل أن يُترك على هامش الزمن.
إنه التعليم، طريق المعرفة، ولكن «التعليم» هنا لا يعنى فقط مزيدًا من المدارس أو شهادات تُضاف إلى رصيد الإحصاء، بل عقلًا يُدرَّب على السؤال قبل الجواب، ويدًا تتقن أدوات هذا العصر من برمجة وذكاء اصطناعى وريادة أعمال، وروحًا تنفتح على العالم دون أن تفقد جذورها.
فالعبرة ليست فى عدد من يحملون شهادات جامعية، بل فى عدد من يستطيعون أن يحلّوا مشكلة، ويبتكروا منتجًا، ويتنافسون بفكرهم فى سوق عالمية لا ترحم من يقف عند حدود الماضى.
فإذا نجحت مصر فى تحويل هذا الكم الهائل من الشباب إلى كيف، أى إلى مهارة ومعرفة وقدرة على المنافسة، فإنها لن تكون فقط حاضرة فى وعى العالم كذاكرة، بل شريكة فاعلة فى صنع مستقبله.
فالحضارة التى ابتكرت الكتابة، وقاست الزمن بالشمس، وبنت ما يتحدى الجاذبية والزمن معًا، لم تفقد قدرتها على الابتكار، بل فقدت فقط من يُذكّرها بها. ومع كل طفل يُولد اليوم فى قرية بالصعيد أو حيٍّ بالقاهرة، تُولد معه فرصة جديدة لكتابة فصل لم يُكتب بعد. فهذا الجيل، إن مُنح أدوات العصر ولغته وعلومه، لن يكون مجرد وارثٍ للأهرامات، بل بنّاءً لأهرامات جديدة من نوعٍ آخر: أهرامات المعرفة، والتكنولوجيا، والإبداع. وحينها لن يُسأل العالم بعد ذلك: «ماذا فعلت مصر؟»، بل سيُسأل: «ما الذى ستفعله مصر بعد؟».
فالخلود ليس ميراثًا يُستهلك، بل بذرةٌ تُزرع فى كل جيل. ومصر، بشبابها وأطفالها، لا تقف اليوم عند نهاية حكايتها القديمة، بل عند الصفحة الأولى من حكايتها القادمة.
إن كانت مصر فى خريف زمنها الآن، فإننى واثق من قدوم ربيعها، ولكن علينا معاً بإرادة اجتماعية وسياسية أن ننثر البذور، ونرويها ونرعاها، ونفهم أنه مهما كانت مكتسبات بعضنا من سلطة أو ثروةً فى الحاضر، إلا أن أولادنا وأحفادنا هم من سيجنون الثمار فى المستقبل.
صدقونى مصر تستحق.





