لا تتعجب أيها القارئ من العنوان، فإبنتي داليا صارت مثلاً أعلي لي ……
المعتاد أن يكون الوالد هو المثل الأعلي والاستثناء هو ما أنقله إليكم.
طول عمرها وأنا أسميها ” أفكاري السعيدة” لأنها إنسانة متفائلة ،مبتسمة، جميلة المظهر والمخبر.
وهي في سن الخامسة والعشرين ،(منذ عشرين عاماً) ، ظهر لها مرض السكر من النوع الأول المتأخر ونصحها المتخصصون في حالة رغبتها في طفل ثاني أن تُعجل بالحمل قبل ما تسوء حالة المرض، ،فعلا ، حملت في هبة وكانت في مراحل السكر الأولي ، وتم الحمل بسلام.
النوع الأول من مرض السكري هو الأخطر والأصعب في العلاج . وفي خلال شهورٍ قليلة بعد الولاده توغل المرض وأصبح جسدها خالياً تماما من الإنسولين اللازم لإستمرار حياتها ونشاطها وطاقتها ، بكل ما يعنيه هذا المرض من احتياج لتغير مطلق لنوعية الحياة ، والعلاج المستمر ، والحقن والقياس ، وتغيير شكل ونوعية الغذاء.
فجأة أصبحت إبنتي، أفكاري السعيدة ، وهي أم لإثنتين من البنات في ذلك الوقت ، وزوجة ، وإمرأة عاملة، في إحتياج لصياغة حياتها بشكل جديد.
وبكل ما في مشاعر الابوة من صدق تمنيت أن أكون أنا وليست هي التي يصيبها المرض، أما والدتها ،و بتدفق حب هائل قررت أن تحرم نفسها من أي شئ سيمنع المرض إبنتها من فعله أو أكله لتشاركها جزءاً من معاناتها.
رأيت إبنتي ، بشبابها وعلمها ونضارتها تدخل مرحلة لم تكن معدة لها نهائياً ،وسط مسئوليات حياتها التي تأخذها بجدية والتزام. ولأننا أسره تقرأ و تناقش كل شئ فقد أصْبَحَت معلوماتها عن مرض السكر علي مستوي معلومات المتخصصين وقد يكون أكثر ، ولأني طبيب وأعلم أن نصف المعلومة أشدُ ضرراً من الجهل في المرض أحيانا ، فقد أمدَدتُها وأمَدتها وسائل المعرفة المتاحة بقدرٍ هائل من الوعي بما هي عليه وفيه، عندما تمكن من جسمها مرض مزمن سخيف عضال.
وأُضيف الي وعيها ، ومعارفها تجاربها هي نفسها لوسائل العلاج المختلفة ، وتطبيق القواعد في الغذاء، الي استخدام مضخة الإنسولين والسفر الي أكبر مراكز التخصص لمنع مضاعفات المرض وكيفية الحياة وهو يلازمها..
داليا غيرت حياتها ، بإرادة حديدية.
وفي خلال سنوات قليلة تَحَكمت في جسدها بالرياضة ونوعية الغذاء الي أن أصبحت قائدة لآخرين ومعلمة في رياضة الكروس فيت بل افتتحت مع اصدقاء لها مركزاً للممارسة والتدريب ، في وقت من الأوقات .
وبتحديها للمرض تَدربت شهوراً لتجري ماراثون الثلاثة واربعين كيلومترا في باريس، وانجزته ثم ماراثون وراء الآخر في كل بلاد العالم.
وتحدت قدرات جسمها لتدخل الالعاب الثلاثيه ،سباحه،وجري، وداراجات، ، وتسلقت جبالاً في افريقيا واوروبا ، واخيرا دخلت تحدياً في المنافسة العالمية لهذا النوع الشاق من الرياضة في السويد واكملته** وتسمي مسابقات الرجل الحديدي ” iron man
وكررته في بلاد اخري وتأهلت لأصعبهم وأشقهم .
بالمعرفة ،غيرت عوايد طعامها الي طعام منظم ، صحي، متكامل ولم تتوقف في البداية عن التدريس للاطفال باستخدام الموسيقي وهي كانت ما تقوم به قبل المرض وتطورت لتكون لايف كوتش بعدما أهلت نفسها لذلك.
و اذكر عندما فاجأتنا برغبتها في الحمل الثالث رغم المصاعب ، بعدما تأكدت بالعلم قدرتها علي ذلك، وإستعدادها لتحمل مصاعبه وإحتمالاته ،
قد وضعتني في أصعب موقف في حياتي عندما أصرت أن أكون أنا بكل خبرتي طبيبها ، أن أقوم بتوليدها ورعايتها لثقتها في علمي وقدراتي وهو ما قمت به لها ولإبنتها الأخيرة سارة التي أضاءت حياتنا بعد ذلك.
داليا إستمرت تفعل ذلك وهي تلازم بناتها وتشجعهم ليمارسوا معها الرياضة، وتذهب معهم للجمباز والباليه ولتدريب البيانو وتحضر كل نشاط مدرستهم، بل وتشارك الامهات في المدرسة مع الاطفال في كل نشاطهم
وتقرأ معهن ولهن وتملأ حياة أسرتها بالبهجة والسرور
يساندها زوج إنسان، خرج عن نمط حياته التقليدي ، يساندها ويشاركها وتشاركه في بناء أسره سوية جميلة.
مرحلة بعد مرحلة ، وها هي الآن تستعد لمصاحبة “ملك “، الابنة الأولي ، لدخول الجامعة في أوستن ، تكساس…
“ملك” التي أصبحت مصدر البهجة والتفاؤل في الأسرة بقدرة إيجابية رهيبة تنقلها لكل من حولها.
وفي نفس الوقت تصاحب سارة ابنتها ذات ال١٢ ربيعاً التي جاءت علي يداي ، تصاحبها الي معسكر في سويسرا ، وتراعي وتنمي فيها الرغبة في المعرفة والاعتماد علي النفس.
أما “هبة” الابنة الوسطي ذات ال١٦ عاماً الموهوبة ، الفيلسوفة، فهي معها هذه الأيام ساعة بساعة في دراستها الصيفية في اكسفورد ، لتنمية قدراتها الإبداعية في الكتابه، بل وترسلني أنا وجدتها معها ليطمئن قلبها.
أنظر الي داليا ، أفكاري السعيدة، وأقول لها كم أنا فخور بها .كم أنا مقدر ما تفعله من لحظة ما تبدأ يومها الساعة السادسة صباحاً للتدريب سواء كانت في مصر او في أي مكان في العالم ، وممارسة٬ نشاطها وحياتها وهي حاملة أوزار مرض السكر العضال، لتقيس ، وتحلل لنفسها دمها وتضبط معايير غذاءها.
أما داليا الأخت” لحسن” ، والعمة “لكيان” ، فهي تدفق حب و صداقة وحنان. إن علاقتها بأخيها وإبنه وأسرته تمنحني شعور بالإنجاز والطمأنينه والفخر.
ولانها إنسان جميل فإنها كرست جزء من مجهوداتها لمساندة الاطفال المصابين بالسكر لتمنع عنهم كوارث المرض بعد مرور السنين ، وتشاركني وعمتها د.نادية وسارة ابنتها طبيبة الأطفال الواعدة، في مشروع جبار غير هادف للربح لعلاج أطفال الفقراء المصابين بالسكر وتوفير الأنسولين والمضخات والتعليم لهم ولأسرهم، سيكون مقره حي السيدة زينب في القاهرة.
يشاركنا في هذا المشروع، د. اسامه حمدي الصديق والخبير العالمي في جامعة هارفارد وكوكبة من المصريين والمصريات الذين ترفع لهم القبعة في العمل الأهلي.
أنظر الي داليا وأقول هذه إمرأة تستحق أن تكون مثلا أعلي، لا هي فرطت ولا تكاسلت ولا إنهارت ، بل تواصلت، و واجهت بابتسامة، وانتصرت بارادة .
لا يحس أحداً من حولها بما فيها ولا تُحَمّل واحداً من أسرتها همها ولا لحظات أسي وخوف قد تكون قد مرت ولابد تمر بها.
داليا تعايشت مع نفسها ولا تعتبر نفسها مريضة.
فيالها من بطلة في عيني.
أما لماذا كتبت و أعيد الكتابة عنها…..أكتب لأن هناك في كل مكان ، شابة وشاب مثلها، فنسبة الاصابة بالسكر في مصر مرتفعة جداً، ومضاعفاته أراها في المرضي كل يوم.
هناك ملايين مثل داليا في مصر وللعالم ،وعليهم أن يأخذوا حياتهم في أيديهم، فلا يبتئسوا ، ولا يستسلموا ،بل يعلموا أن الارادة والمعرفة والجدية ، تصنع منك بطلاً لنفسك ولأسرتك ، وداليا خير مثال علي ذلك.
يا إبنتي أحترمك
و أساندك وأدعمك
وأفخر بك
توقيع
والد فخور




