بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: أنا مش ملاحق

أعترف
أنا مش ملاحق.

ليس لأن الوقت ضيق فقط،
ولا لأن العمر أصبح مزدحمًا بالمسؤوليات،
بل لأن العالم… أصبح يتدفق نحوي بلا توقف.

كل دقيقة، بل كل ثانية،
تصلني عشرات الرسائل:
أخبار… تحليلات… فيديوهات… آراء… تنبيهات… صدمات… مخاوف… ونصائح.

عالم كامل يُقذف في رأسي
دون أن أطلبه.

أفتح هاتفي لأقرأ رسالة
فأجد نفسي بعد دقائقأو ساعات
أتنقل بين عشرات الموضوعات:

حرب هنا
أزمة هناك
رأي سياسي حاد
تحليل اقتصادي معقد
قصة إنسانية مؤثرة
ومعلومة طبية قد تنقذ حياة.

بعضها مفيد… نعم.
لكن أكثرها… ليس كذلك.

ومع ذلك… أقرأ.

السؤال الذي يطاردني:

كم من الوقت نُهدر… فقط لنختار ما يستحق أن نقرأه؟

وكم من هذا الاختيار
ليس اختيارًا حقيقيًا
بل استجابة لما فُرض علينا؟

نحن لا نستهلك المعلومات فقط
بل نُعاد صياغتنا بها.

حتى تلك الأفكار التي نرفضها
تمر عبر عقولنا،
تترك أثرًا خفيًا،
ثم تختفي.

لكن… هل تختفي حقًا؟

هل يمكن لفكرة غير منطقية،
قرأناها مرورًا سريعًا،
أن تُغيّر شيئًا في داخلنا؟

هل يمكن لتكرار الرسائلحتى السطحية منها
أن يبني نمطًا جديدًا من التفكير،
يتسلل إلى النفس… دون أن نشعر؟

أنا أظن… نعم.

ليس لأننا ضعفاء،
بل لأن عقولنا لم تُخلق لهذا السيل الجارف.

العقل البشري صُمم ليتأمل،
لا ليُقصف.

ليختار،
لا ليُغمر.

وهنا يبرز سؤال أخطر:

هل هناك عقل خفي… يشكّل وجدان البشرية؟

ليس بالضرورة شخصًا واحدًا،
ولا مؤامرة بالمعنى التقليدي

بل منظومة:
خوارزميات… منصات… مصالح
تدفع بما يجب أن نراه،
وتُخفي ما لا يجب.

نظن أننا نختار
بينما نحن نُقاد بلطف.

المشكلة ليست في المعلومة
بل في فيض المعلومة.

فالقطرة تُنعش،
أما السيل… فيُغرق.

كيف نتعامل إذن؟

ليس بالانسحاب من العالم
ولا بإغلاق الأبواب.

بل بأن نستعيد حقنا في الاختيار.

أن نسأل قبل أن نقرأ:
لماذا أقرأ هذا؟

أن نُبطئ
في عالم يُجبرنا على السرعة.

أن نقبل أننا لن نعرف كل شيء
ولا يجب أن نعرف كل شيء.

المعرفة ليست في الكثرة،
بل في العمق.

وليست في ما يمر بعقولنا،
بل في ما يبقى فيها.

ربما الحل ليس أن نلحق”…
بل أن نقرر:

ماذا يستحق أن نلحق به
وماذا يجب أن نتركه يمر.

أنا لا أزال… مش ملاحق.
لكنني بدأت أتعلم
أن هذا ليس عيبًا.

بل ربما
هو أول الطريق للفهم.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى