المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … ‎كلما عرفنا أكثر… اكتشفنا كم نجهل

كلما عرفنا أكثر… اكتشفنا كم نجهل
بقلم حسام بدراوي
هناك لحظة فارقة فى حياة كل إنسان… لحظة يكتشف فيها أن المعرفة ليست سلّمًا ينتهى إلى يقين، بل بحرٌ كلما أبحر فيه اتسعت شواطئ المجهول أمامه.
فى بدايات الوعى، يظن الإنسان أن الحقيقة بسيطة، وأن العالم يمكن تفسيره بسهولة، وأن امتلاك بعض المعلومات يكفى لفهم الحياة. لكن مع كل قراءة، وكل تجربة، وكل كشف علمى أو إنسانى، تبدأ المفارقة العجيبة فى الظهور:
كلما عرفنا أكثر… أدركنا أننا لا نعرف إلا القليل.
هذه دعوة إلى التواضع الفكرى.
سقراط عبّر عن هذا المعنى حين قال إن حكمته الوحيدة أنه يعرف أنه لا يعرف. والفكرة نفسها ترددت عبر الفلاسفة والعلماء حتى أصبحت من أعمق مفارقات الوعى الإنسانى.
العلم الحقيقى لا يصنع غرورًا، بل يصنع دهشة.
فالطفل يظن أن السماء تنتهى عند حدود بصره، لكن عالم الفلك كلما اكتشف مجرة جديدة أدرك أن الكون أوسع مما تخيله البشر.
وطالب الطب فى عامه الأول يعتقد أن الجسد مفهوم، ثم يكتشف بعد سنوات أن كل خلية تحمل أسرارًا تفوق الخيال.
والفيلسوف الذى يبحث عن معنى الوعى ينتهى غالبًا إلى إدراك أن السؤال أعمق من أى إجابة.
المعرفة إذن لا تقلل الجهل… بل تكشف حجمه.
تخيّل دائرة تمثل ما نعرفه.
كلما اتسعت الدائرة، ازداد أيضًا محيطها الملامس للمجهول.
أى أن اتساع المعرفة يزيد احتكاكنا بما لا نعرفه.
ولهذا فإن أخطر الناس ليسوا الجهلاء، بل أولئك الذين يعرفون القليل ويظنون أنهم يعرفون كل شيء.
أما العلماء الحقيقيون، فتجد فى أعينهم تواضعًا غريبًا.
وفى عصر الذكاء الاصطناعى والانفجار المعلوماتى، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا من أى وقت مضى.
لدينا معلومات أكثر من كل العصور السابقة مجتمعة، لكننا ما زلنا نجهل:
ما الوعى؟
ما الزمن؟
كيف بدأت الحياة؟
وما الذى يربط العقل بالمادة؟
بل ربما كل اكتشاف جديد يفتح عشرات الأسئلة الجديدة.
وهنا تكمن عظمة الإنسان…
ليس فى ادعاء امتلاك الحقيقة، بل فى الشجاعة للاستمرار فى البحث عنها.
إن المعرفة الحقيقية ليست حالة وصول، بل حالة سفر دائم.
وكل عقل يظن أنه وصل… يكون قد توقف عن التفكير.
لذلك فإن أجمل ما تمنحه لنا المعرفة ليس الإجابات، بل القدرة على طرح أسئلة أعمق.
وربما لهذا السبب، كلما ارتقى الإنسان فى العلم والحكمة، أصبح أكثر هدوءًا، وأقل ادعاءً، وأكثر إنسا الحقيقية لكل معرفة عظيمة هى التواضع أمام هذا الكون المدهش.
وإدراك أن:
«كلما عرفنا أكثر… اكتشفنا كم نجهل».
لكن هذه الحقيقة لا تنطبق على العلم وحده، بل تمتد أيضًا إلى فهم الإنسان للدين، وللرموز التى صاغ بها أسئلته الأولى عن الكون والحياة والموت.
فالإنسان القديم لم يكن يملك لغة الفيزياء، ولا علوم الأعصاب، ولا علم الكونيات، ولا فلسفات الوعى الحديثة.
كان يرى البرق غضبًا، والرعد إنذارًا، والشمس كائنًا مقدسًا، والظواهر الكبرى رسائل من السماء.
ولأن العقل البشرى يحتاج دائمًا إلى صورة يتخيل بها ما لا يفهمه، ظهرت الرموز والأساطير والتعبيرات المجازية كوسيلة لتقريب المعنى إلى الوعى المحدود فى زمانه.
وهذا ليس عيبًا فى الإنسان، بل جزء من تطوره الطبيعى.
كل الحضارات فعلت ذلك.
المصريون القدماء، واليونان، والهنود، والصينيون، وحتى الديانات السماوية استخدمت اللغة الرمزية بكثافة، لأن الحقيقة المطلقة أكبر من أن تُختزل فى كلمات مباشرة.
لكن المشكلة لم تبدأ مع الرمز…
بل بدأت حين نسى الإنسان أنه رمز.
حين تحولت الصور الذهنية إلى يقين حرفى.
وحين أصبح المجاز حقيقة جامدة.
وحين صار السؤال جريمة.
فالرمز فى أصله جسرٌ نحو المعنى، لكنه أحيانًا يتحول مع الزمن إلى جدار يمنع الوصول إليه.
ولعل واحدة من أكبر أزمات الفكر الدينى عبر التاريخ هى الخلط بين: جوهر الفكرة، والشكل الذى قُدمت به، بين الحقيقة، والوعاء الثقافى الذى حملها.
فالرسالات الكبرى جاءت لتوقظ الإنسان أخلاقيًا وروحيًا، لا لتغلق عقله.
لكن كثيرًا من البشر — بدافع الخوف أو التوارث أو الحاجة النفسية لليقين — يتمسكون بالصور القديمة وكأنها حقائق نهائية غير قابلة للتأمل أو التطور.
ومع الزمن، يتحول الدفاع عن الرمز إلى نوع من الدفاع عن الهوية، لا عن الحقيقة نفسها.
هنا يظهر التعصب.
لأن الإنسان حين يشعر أن فكرته هى ذاته، يصبح أى سؤال موجه للفكرة تهديدًا شخصيًا له.
ولهذا فإن بعض الناس لا يغضبون لأنك خالفت الرأى… بل لأنك حرّكت المنطقة التى بنوا عليها شعورهم بالأمان.
وربما لهذا السبب أيضًا، كان المفكرون والمتصوفة والفلاسفة الأكثر عمقًا أقل الناس تعصبًا.
لأنهم أدركوا أن الحقيقة أوسع من اللغة، وأكبر من الطقوس، وأعمق من التفسير الحرفى.
ابن عربى قال:
«كل معتقد يظن أن الحق محصور فيه، وما علم أن الله أكبر».
وبوذا لم يطلب من أتباعه عبادته، بل طلب منهم أن يختبروا الحقيقة بأنفسهم.
وسقراط كان يرى أن بداية الحكمة هى الشك.
وأينشتاين نفسه تحدث عن «الإحساس الدينى الكوني» الذى يتجاوز التصورات التقليدية الضيقة.
إن الأزمة الحقيقية ليست فى الدين…
بل فى توقف العقل عن الحركة.
حين يتحول الإيمان من رحلة بحث إلى حالة خوف.
ومن تجربة وعى إلى منظومة دفاع نفسى.
ومن نور داخلى إلى صراع على امتلاك الحقيقة.
وهنا يصبح الإنسان مستعدًا لأن يرفض العلم، ويحارب الفكر، ويكره المختلف… فقط ليحافظ على صورة ذهنية اعتادها.
لكن الحقيقة لا تخاف من السؤال.
وما كان إلهيًا بحق، لا يمكن أن ينهار أمام عقل يفكر.
بل ربما يكون التفكير ذاته أحد أشكال العبادة.
وربما كانت المأساة الكبرى عبر التاريخ أن البشر كثيرًا ما قدّسوا الكلمات… ونسوا المعانى.
ودافعوا عن القوالب… بينما ضاعت الروح.
إن الإنسانية اليوم تقف أمام مرحلة جديدة من الوعى.
العلم يتقدم بسرعة هائلة، والذكاء الاصطناعى يعيد تعريف المعرفة، وأسئلة الوعى والكون أصبحت أكثر تعقيدًا من أى وقت مضى.
وفى هذا العالم الجديد، لن يكون التحدى الحقيقى هو الدفاع عن الدين ضد العلم، بل تحرير الإيمان من الجمود… وإنقاذ الروح من سجون التفسير الحرفى.
لأن المستقبل لن يكون للأكثر تعصبًا، بل للأكثر قدرة على الفهم… والتأمل… والتطور.
وربما عندها فقط، سيدرك الإنسان أن الله لم يمنحه العقل ليُلغيه… بل ليستخدمه.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى