الشروق نيوزبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”الشروق” … ‎بين الحرية والخوف.. ومأزق الديمقراطية

منذ أن بدأ الإنسان يعيش في جماعات، ظل يتأرجح بين حاجتين متناقضتين:
حاجته إلى الحرية، وحاجته إلى الأمان.
فالحرية تمنحه شعور الكرامة والقدرة على تحقيق ذاته، لكن الأمان يمنحه الطمأنينة والاستقرار. وحين يعجز المجتمع عن تحقيق التوازن بينهما، تبدأ المأساة:
إما فوضى باسم الحرية، أو قمع باسم الاستقرار.

ولذلك لم تكن الديمقراطية مجرد نظام للحكم، بل كانت محاولة فلسفية للإجابة عن سؤال بالغ التعقيد:
كيف يمكن للإنسان أن يحكم نفسه بنفسه دون أن يتحول إلى ضحية لجهله أو غرائزه أو مخاوفه؟
لكن هذا الحلم النبيل يصطدم دائمًا بحقيقة مؤلمة:
ليس كل مجتمع مستعدًا بالقدر نفسه لممارسة الحرية السياسية.

فالديمقراطية تفترض وجود مواطن قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب، بين المصلحة العامة والانفعال اللحظي، بين القائد ورجل الشعارات، وبين الدين كعلاقة روحيه بالخالق ومن يستخدمون الدين وسيلة للتحكم والحصول علي السلطة.

أما حين ينتشر الجهل، ويتراجع التعليم، وتغيب الثقافة النقدية، يصبح الرأي العام أكثر قابلية للتوجيه، لا بالعقل، بل بالخوف والغضب والعصبية والمصالح الضيقة.
وهنا يظهر المأزق الحقيقي:
هل تصبح الديمقراطية في المجتمعات غير الواعية طريقًا إلى الفوضى؟
وهل يبرر ذلك الحاجة إلى سلطة قوية قد تنتهي بدورها إلى قتل الحرية نفسها؟
ذلك هو التحدي الذي تواجهه كثير من دول العالم النامي اليوم، حيث تقف الدولة بين خوفين:
الخوف من انهيار النظام، والخوف من تحول النظام إلى سجن كبير مغلق.

الديمقراطية ليست مجرد صندوق انتخابي، بل هي تعبير حضاري عن قدرة الإنسان على الاختيار الحر الواعي. لكنها، كأي أداة إنسانية، يمكن أن تتحول إلى نقيضها إذا استُخدمت داخل بيئة يغيب عنها الوعي، وتنتشر فيها الأمية السياسية، ويتحول الرأي العام إلى كتلة قابلة للتوجيه بالشائعات أو العصبيات أو الخطاب العاطفي.

وهنا يظهر السؤال المؤلم:
هل يمكن لمجتمع لم يتعلم بعد كيف يفكر، أن يقرر مصيره بحرية كاملة دون أن يقوده ذلك إلى الفوضى أو إلى اختيار من يهدم الديمقراطية نفسها؟
هذا السؤال ليس جديدًا.

فقد خشي سقراط و أفلاطون من أن تتحول الديمقراطية إلى “حكم الغوغاء”، حين يصبح الصوت الانتخابي مساويًا بين الحكيم والجاهل، وبين صاحب الرؤية ومن يبيع الوهم.
كما حذر كثير من المفكرين المعاصرين من أن الجماهير حين تُقاد بالخوف أو الكراهية أو الاحتياج الاقتصادي تصبح أكثر استعدادًا لاختيار من يخاطب غرائزها لا عقولها.
لكن الخطر المقابل لا يقل فداحة.

فعندما تُستخدم حجة “عدم جاهزية الشعب” لتبرير الحكم المطلق، تنشأ سلطة تعتبر نفسها وصية على المجتمع، فتقمع الحرية باسم حماية الاستقرار، وتؤجل الديمقراطية بحجة الحفاظ على الدولة، ثم تكتشف الأمة بعد عقود أنها فقدت الاثنين معًا: الحرية والاستقرار.

وهكذا تقع المجتمعات في مأزق مزدوج:
ديمقراطية بلا وعي قد تقود إلى الفوضى وسلطة بلا رقابة قد تقود إلى الاستبداد
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل نختار الديمقراطية أم الحكم القوي؟
بل:
ما الحدود والضمانات التي تسمح بوجود دولة قوية دون قتل الحرية، وديمقراطية حقيقية دون انتحار الدولة؟

الدولة القوية ليست نقيض الديمقراطية

الخلط الشائع في العالم النامي هو اعتبار أن الديمقراطية تعني ضعف الدولة، وأن الحزم يعني غياب الحرية. بينما التجارب الناجحة تثبت أن الدولة الحديثة تحتاج أمرين معًا:
مؤسسات قوية تحفظ الأمن والقانون ومجتمع حر قادر على الرقابة والتصحيح.

فالدولة حين تضعف تنهار أمام الفوضى والطائفية والعنف، لكن الدولة حين تتغول تتحول إلى سجن كبير يفقد فيه الإنسان كرامته وقدرته على الإبداع.

ولذلك فإن المجتمعات التي تعاني من الجهل أو الانقسام أو هشاشة الثقافة المدنية قد تحتاج بالفعل إلى سلطة تنفيذية قوية، لكن قوة الدولة يجب أن تكون:
قوة مؤسسات لا قوة أفراد، قوة قانون لا قوة أجهزة، قوة حماية لا قوة هيمنة.

إن الديمقراطية ليست حدثًا بل عملية تربوية.

الخطأ الأكبر هو تصور أن الديمقراطية تُفرض فجأة عبر الانتخابات فقط.
فالانتخابات في مجتمع غير واعٍ قد تنتج استبدادًا جديدًا مغلفًا بشرعية شعبية.
ولهذا فإن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى شروط سابقة عليها، أهمها:
١- التعليم النقدي لا التلقيني
٢- حرية الإعلام المسؤول لا إعلام التحريض.
٣- استقلال القضاء.
٤- حماية الدولة الوطنية من التفكك.
٥- بناء طبقة وسطى مستقرة
٦- ترسيخ مفهوم المواطنة فوق العصبيات الدينية أو القبلية أو الأيديولوجية.
الديمقراطية إذن ليست مجرد حق في التصويت، بل قدرة عقلية وأخلاقية على الاختيار.
فما الحدود الواجبة؟
ربما يكون الحل في ما يمكن تسميته:
“الديمقراطية المنضبطة دستوريًا”
أي نظام يحقق المعادلة التالية:
*حرية سياسية حقيقية،
*مع وجود ضوابط دستورية تمنع انهيار الدولة أو احتكار السلطة.
ومن هذه الضوابط:
١- عدم السماح باستخدام الديمقراطية لإلغاء الديمقراطية.
٢ـ حماية الدستور من أهواء الأغلبية المؤقتة.
٣ـ الفصل الحقيقي بين السلطات.
٤ـ تداول السلطة تدريجيًا لا فوضويًا.
٥ـ تمكين المؤسسات العلمية والقضائية والرقابية من الاستقلال.
٦- اعتبار التعليم والأمن القومي خارج المزايدات الشعبوية.

فالديمقراطية ليست أن يفعل الناس ما يريدون، بل أن يمتلكوا الوعي الذي يجعلهم يريدون ما يحفظ المجتمع والإنسان معًا.
إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الاستبداد وحده، ولا الفوضى وحدها، بل الانتقال المستمر بينهما.
فالمجتمعات الجاهلة قد تهرب من الفوضى إلى الطغيان، ثم تهرب من الطغيان إلى الفوضى، لأنها لم تبنِ بعد الإنسان القادر على حماية حريته بعقله لا بغرائزه.
ولهذا فإن معركة الديمقراطية الحقيقية ليست معركة صناديق انتخاب فقط، بل معركة بناء وعي.
فالحرية دون وعي قد تدمر الدولة، والسلطة دون حرية قد تدمر الإنسان، أما الحضارة الحقيقية فهي التي تنجح في حماية الاثنين معًا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى