المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … ‎الإنهاك المجتمعي واللامبالاة السياسية

في لحظات التحوّل الكبرى لا يكون الخطر دائمًا صاخبًا أو واضح الملامح.‏
أحيانًا يتسلل في صمت، يتخفّى في الروتين، ويستقر في النفوس حتى يصبح ‏مألوفًا.‏
أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس الغضب ولا الاحتجاج، بل ذلك التعب ‏الخفي الذي يطفئ الرغبة في السؤال، ويُضعف الإيمان بجدوى المشاركة، ‏ويحوّل السياسة من فعل عام إلى عبء نفسي.‏
في هذا المقال أحاول الاقتراب من ظاهرة ‏‎«‎الإنهاك المجتمعي‎» ‎بوصفها حالة ‏نفسية وسياسية مركبة، تتجاوز القمع المباشر، وتؤسس لواحدة من أخطر نتائج ‏الحكم المغلق: اللامبالاة السياسية، حين يتراجع المواطن من موقع الفاعل إلى ‏موقع المتفرج، لا لأنّه لا يهتم، بل لأنه استُنزف.‏
لا تعاني الدول فقط حين تُهزم أو تُفلس، بل أحيانًا حين يتعب ‏المجتمع.‏
التعب هنا ليس جسديًا، بل نفسيًا وأخلاقيًا: شعور طويل الأمد بأن ‏الجهد بلا جدوى، وأن المشاركة لا تغيّر، وأن السياسة صارت عبئًا ‏لا أفقًا.‏
أحياناً لا يُقمع المجتمع دائمًا‎… ‎بل يُرهَق.‏
والإرهاق، على المدى الطويل، أخطر من القمع، لأنه يُنتج ‏اللامبالاة.‏
الإنهاك المجتمعي هو حالة نفسية جماعية تتكوّن حين يتراكم على ‏الأفراد ضغط اقتصادي دائم و مطالب بالصبر دون أفق زمني ‏واضح في غياب قنوات التعبير والتأثير و شعور متكرر بأن القرار ‏يُتخذ في مكان آخر.‏
ليس الإنهاك غضبًا، بل استنزاف للقدرة على الغضب.‏
تمر المجتمعات غالبًا بثلاث مراحل نفسية :‏
‏1.‏ الاعتراض: علي أمل في التغيير، حتى لو كان محدودًا.‏
‏2.‏ الإحباط: حين يتكرر الفشل، وغياب الاستجابة، وتشويه ‏النقد.‏
‏3.‏ ثم الانسحاب حيث يقول الفرد:‏‎
‏“دعهم يفعلون ما يريدون‎… ‎لن يتغير شيء.‏‎”‎
هذه المرحلة الأخيرة هي الأخطر، لأنها: لا تُقلق السلطة فورًا ، ‏لكنها تُفرغ المجتمع من الأمل السياسي
‏•‏ ‏ لا تُنتج الدولة هذا الإنهاك بالقمع المباشر ، بل عبر آليات ‏أكثر هدوءًا حين يُطلب من المواطن أن يتحمّل ،أن ‏يصبر، أن يتكيّف ، لكن دون أن: يشارك ، أو يفهم ، أو ‏يختار.‏
حين يتكرر الخطاب عن: المستقبل و الإنجاز و التحديات دون ‏تحسن في المعيشة و والشعور بالأمان الاقتصادي في غياب ‏الاحساس بالعدالة.‏
حينئذ يحدث ما يسميه علم النفس:‏
‎ (‎إرهاق المعنى‎)‎
Fatigue of meaning
و تفقد الكلمات قدرتها على الإقناع.‏
وتتحول السياسة إلى مصدر توتر و ليس مساحة أمل بل مجال ‏خطر ، فيتعلم الفرد أن الصمت أأمن و اللامبالاة أريح و الانشغال ‏بالخاص أكثر عقلانية.‏
اللامبالاة السياسية ليست حيادًا بل شعور بالعجز واستراتيجية ‏بقاء نفسية.‏
الفرد لا يقول:“السياسة لا تعنيني‎”‎‏ بل يقول ضمنيًا “لا طاقة لي بما ‏لا أستطيع تغييره‎”‎، ‏
وهنا يتحول المواطن من فاعل إلى متفرج.‏
آثار الإنهاك على النسيج الاجتماعي وخيمة ‏، ‎و تظهر أعراضها ‏‎ ‎الخطيرة في تآكل الثقة العامة و تصاعد الفردانية الأنانية و هجرة ‏العقول أو انسحابها الداخلي ، وتنتشر السخرية السوداء مع قبول ‏الظلم بوصفه قدرًا.‏
هذه ليست ظواهر ثقافية عابرة، بل مؤشرات انهيار اجتماعي ‏بطيء.‏
المفارقة الكبرى أن الإنهاك يمنح استقرارًا زائفًا:السلطة قد تفسر ‏الهدوء على أنه رضا و استقرار وقبول ، لكن هذا هدوء ناتج عن ‏الإرهاق‎… ‎لا القناعة.‏
وما بُني على الإرهاق: لا يدوم ولا يصمد أمام الصدمات.‏
إنني أري الإرهاق و اللامبالاة أخطر من الغضب لأن الغضب ‏طاقة و رسالة ، قابل للتوجيه ، أما اللامبالاة: فهي فراغ ، انقطاع ، ‏و فقدان معنى.‏
الدولة يمكنها احتواء الغضب لكنها تعجز عن بناء مجتمع بلا ‏إهتمام.‏
لا ننسي أن الإنهاك يمكن أن يتحول إلى انهيار ، ليس ‏بالضرورة عبر ثورة سياسية بل أحيانًا يتحول إلى انهيار أخلاقي و ‏تفكك اجتماعي ، أو هجرة جماعية صامتة.‏
وحين يحدث الانفجار، وللأسف يكون:غير متوقع وغير منظمً ، ‏وغير قابل للاحتواء السريع‎.‎
الخروج من دائرة الإنهاك‎ ‎ممكن ، لكنه يتطلب تحولًا جوهريًا:‏
‏1.‏ إعادة السياسة إلى المجال العام
‏2.‏ فتح قنوات مشاركة حقيقية
‏3.‏ الاعتراف بالخطأ لا شيطنته
‏4.‏ توزيع عادل لكلفة الإصلاح
‏5.‏ تحويل المواطن من متحمّل إلى شريك
بدون ذلك، يبقى أي مشروع‎… ‎بلا روح.‏
يا سادة المجتمع المتعب لا يبني المستقبل. الدولة قد تنجح في: ‏البناء و الضبط والإنجاز السريع ، لكنها إن لم تُصالح المجتمع، ‏ستواجه مجتمعًا متعبًا صامتًا غير معني.‏
الدولة التي يحكمها الصمت لا يحميها من السقوط، بل يؤجّله‎… ‎بثمن أعلى.‏
المستقبل لا يُبنى فقط بالخرسانة، والكباري ، والطرق ، رغم ‏أهميتها القصري كمشاريع ، بل بطاقة الناس على الحلم ‏والمشاركة.‏
إن أخطر ما في الإنهاك المجتمعي أنه لا يطلق إنذارًا مبكرًا، ولا يترك أثرًا ‏فوريًا يُقلق صانع القرار.‏
الصمت قد يبدو استقرارًا، والانسحاب قد يُقرأ قبولًا، لكن التاريخ يُعلّمنا أن ‏المجتمعات التي تُرهَق طويلًا لا تنهار فجأة‎… ‎بل تتآكل من الداخل.‏
الدولة التي لا تسمع إلا صوتها، قد تنجح مؤقتًا في الإدارة ‏والضبط، لكنها تخسر تدريجيًا أثمن مواردها: إنسانًا يشعر أن له ‏معنى ودورًا.‏
ليست المشكلة في أن يصمت الناس‎…‎بل في أن يعتادوا الصمت ‏حتى يفقدوا القدرة على الكلام.‏
وليست الخطورة في أن ينسحبوا من السياسة‎…‎بل في أن ‏ينسحب المعنى نفسه من داخلهم، فلا يعود للانتماء وزن، ولا ‏للمشاركة جدوى.‏
الدول لا تُختبر فقط بقدرتها على فرض النظام، بل بقدرتها على ‏إبقاء الروح حيّة في مواطنيها.‏
فالمجتمع الذي يتعب طويلًا، لا ينهار حين يثور‎… ‎بل حين لا ‏يعود قادرًا على الثورة.‏
وهنا تكمن الرسالة التي لا تُقال صراحة:‏
إن إدارة الصمت ليست إنجازًا، بل تأجيلٌ لسؤالٍ أكبر.‏
وإن الاستقرار الذي يُبنى على إنهاك الإنسان، يشبه بناءً متماسكًا ‏من الخارج‎… ‎فارغًا من الداخل.‏
فالدولة التي تراهن على صبر الناس وحده، تخاطر بأن ‏تكتشف‎—‎متأخرة‎—‎أن الصبر قد نفد، لا في الشارع‎… ‎بل في ‏النفوس.‏
وحدها الدولة التي تُصغي قبل أن يُضطر الناس إلى الصراخ،
وتُشرك قبل أن يختاروا الانسحاب،وتُعيد للإنسان شعوره ‏بالمعنى‎…‎هي التي لا تخشى المستقبل.‏
لا مستقبل يُبنى فوق تعب الناس، ولا مشروع ينجو إذا غابت ‏عنه روح المشاركة والعدالة.‏
وحدها الدولة التي تُعيد للمواطن ثقته، وللسياسة معناها، ‏وللمجتمع طاقته الأخلاقية، هي القادرة على الاستمرار.‏
أما دولة الصمت، فربما تؤجل السقوط‎… ‎لكنها لا تمنعه.‏
دولة المشروع لا تدوم ولكن دولة المواطن تبني الحياة.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى