
الحمض النووي وما فوقه بين العلم والفلسفة Genetics & Epigenetics
حسام بدراوي
الـDNA ترجمته العربية هى: «الحمض النووى الريبوزى منقوص الأكسجين»، ويُسمى اختصارًا: الحمض النووى. أما الاسم الإنجليزى الكامل فهو: Deoxyribonucleic Acid. إنه المادة الوراثية الموجودة داخل خلايا الكائنات الحية، والتى تحمل التعليمات الجينية الخاصة ببناء الجسم ووظائفه وصفاته الوراثية. ولتبسيط الفكرة: يمكن تخيّل الـDNA كأنه: مكتبة ضخمة من التعليمات أو شيفرة الحياة أو كتاب التكوين البيولوجى للكائن الحى. وهو مكوَّن من ترتيب دقيق لأربع وحدات كيميائية تشبه «حروفًا» تُكتب بها اللغة الوراثية. هذه الوحدات الأربع تُسمّى القواعد النيتروجينية (Nitrogenous Bases)، وهى الحروف الأساسية التى تُكتب بها «لغة الحياة» داخل الحمض النووى.
أين تكمن المعجزة؟ ليس فى الحروف نفسها.. بل فى ترتيبها. فكما أن تغيير ترتيب الحروف يصنع كلمات مختلفة، وتغيير الكلمات يصنع معانى مختلفة، كذلك تغيير حروف الحمض النووى يصنع حيوات متعددة.
لزمنٍ طويل، عاش الإنسان أسير فكرةٍ بدت علمية ومنطقية، هى أن الجينات هى الحاكم النهائى لحياته، وأن ما كُتب داخل خلاياه هو مصيره المحتوم. فإذا ورث مرضًا استسلم، وإذا وُلد باستعداد نفسى أو جسدى معين، قبله كأنه حكم سماوى لا مفر منه. لكن العلم نفسه، الذى صنع هذا اليقين القديم، عاد اليوم ليهزّه من جذوره.
ظهر علم Epigenetics، أو «ما فوق الجينات»، ليقول لنا شيئًا مدهشًا، إن الجينات ليست دائمًا قَدَرًا… بل هى احتمال. فالـDNA ليس نصًا مغلقًا، بل هو كتابٌ حى، تُفتح بعض صفحاته وتُغلق أخرى، وفقًا للطريقة التى نحيا بها، ونفكر بها، ونأكل بها، ونحب بها، ونتألم بها.
لقد اكتشف العلماء أن الإنسان لا يرث فقط الجينات، بل يرث أيضًا «طريقة تشغيلها». وهنا تبدأ الثورة الفكرية. فالخلية البشرية تحتوى آلاف الجينات، لكن ليس كل ما فيها يعمل فى الوقت نفسه. هناك جينات تُفعّل، وأخرى تُصمت، وثالثة تنتظر ظروفًا معينة كى تستيقظ. من الذى يقرر ذلك؟ هنا يأتى دور «ما فوق الجينات».
إنه نظام بالغ التعقيد من الإشارات الكيميائية التى تتأثر بالغذاء، والضغوط النفسية، والحب، والخوف، والرياضة، والتلوث، وحتى الشعور بالأمان أو القهر.
بمعنى آخر: الحياة نفسها تتدخل فى طريقة قراءة الجينات. كأن الجينات هى مفاتيح بيانو، والـEpigenetics هو العازف الذى يقرر أى المفاتيح تُستخدم وأيها يصمت. وهذا الاكتشاف لا يغيّر الطب فقط، بل يغيّر نظرتنا للإنسان. فالإنسان لم يعد مجرد آلة بيولوجية تنفذ أوامر الوراثة، بل هو كائن يشارك جزئيًا على الأقل فى تشكيل مصيره البيولوجى.
لقد أثبتت الدراسات أن شخصين يحملان الاستعداد الوراثى نفسه لمرضٍ ما، قد يسلك كلٌّ منهما طريقًا مختلفًا تمامًا. أحدهما يمرض، والآخر لا. ليس لأن الجينات اختلفت، بل لأن البيئة النفسية والحياتية وطريقة العيش أثّرت فى «التعبير الجينى». حتى الصدمات النفسية العميقة، أو الحب العميق، قد يتركان آثارًا بيولوجية قابلة للرصد. بل إن بعض العلماء يعتقدون أن آثار التجارب القاسية قد تنتقل أحيانًا عبر الأجيال، ليس عبر تغيير الجينات ذاتها، بل عبر تغيير طريقة عملها. وهنا يقف العقل الإنسانى أمام سؤال فلسفى مذهل: إذا كانت خبرات الحياة تستطيع أن تعيد تشكيل التعبير الجينى.. فإلى أى مدى يكون الإنسان شريكًا فى صنع ذاته؟ وهل نحن أسرى لما وُلدنا به، أم أننا نملك قدرة خفية على إعادة تشكيل مستقبلنا الداخلى؟
لا يعنى هذا بالطبع أن الإرادة وحدها تشفى كل شىء، أو أن العلم أصبح يروّج للأحلام الساذجة. فالوراثة حقيقة، والمرض حقيقة، وحدود الجسد حقيقة. لكن الحقيقة الجديدة هى أن الوراثة ليست دائمًا حكمًا نهائيًا، بل بداية حوار بين الإنسان وذاته والبيئة التى يعيش فيها. وهنا تتلاقى البيولوجيا مع الفلسفة.
فالاستسلام الكامل لما هو «مقدّر جينيًا» قد يكون نوعًا من الكسل الفكرى والروحى، لأن الإنسان ليس مجرد شيفرة كيميائية، بل هو كائن حى يتفاعل مع العالم، ويؤثر فيه ويتأثر به. نحن لا نستطيع تغيير الجينات التى وُلدنا بها، لكننا نستطيع أحيانًا أن نغيّر طريقة عملها. وهذا الفارق هائل. إنه الفارق بين من يرى نفسه سجينًا، ومن يرى نفسه مشروعًا مفتوحًا للتطور.
العلم الحقيقى لا يقول للإنسان: «استسلم لما أنت عليه». بل يقول له: «افهم نفسك.. ثم حاول أن تصبح أفضل نسخة ممكنة منها». فى «ميكانيكا الكم» سلوك الجسيمات الدقيقة مثل الإلكترون يبدو أحيانًا كموجة، وأحيانًا كجسيم، حسب هل هو مرصود أم لا.
والفكرة الفلسفية التى نشأت لاحقًا هى: هل يمكن أن يكون الراصد جزءًا من تشكيل الواقع؟ ومن هنا دخل كثير من الفلاسفة والمفكرين إلى تساؤلات كبرى حول: الوعى والإدراك ووجود الكون ودور الإنسان فى «إظهار» الواقع كما نعرفه. وهنا يصبح الربط مع الـEpigenetics مثيرًا فكريًا، لا لأن المجالين متطابقان علميًا، بل لأنهما يهزمان الفكرة القديمة نفسها، فكرة الإنسان السلبى المتلقى لواقع ثابت ونهائى.
فى الوراثة القديمة كان الإنسان أسير الجينات. ثم جاء علم ما فوق الجينات ليقول: البيئة والخبرة والحياة تؤثر فى طريقة عمل الجينات.
وفى الفيزياء الكلاسيكية كان الكون آلة صلبة مستقلة عن الإنسان. ثم جاءت ميكانيكا الكم لتقول: الراصد ليس منفصلًا تمامًا عن الظاهرة التى يراقبها.
ومن هنا يمكن أن نبنى جسرًا فلسفيًا بالغ العمق. أن الإنسان ليس مجرد «متفرج» على الكون أو على ذاته، بل شريك بدرجات مختلفة فى تشكيل الواقع الذى يعيشه.
تقول الفلسفة: «لو لم يوجد الإنسان لما وُجد الكون الذى نعرفه». الفكرة الفلسفية مرتبطة بالكون كما «نختبره» أو كما «يُدرَك»، الذى يعتمد على وجود وعى يراه ويفسره. أى أن الكون الفيزيائى قد يوجد مستقلًا، لكن «معنى الكون» وصورته المدركة لا تظهر إلا بوجود عقل واعٍ. أعتقد أن أجمل ما يمكن أن أضيفه لهذا المقال هو أن العلم الحديث من الجينات إلى الكم، بدأ يُضعف صورة الإنسان ككائن عاجز محكوم بالكامل بقوى خارجية، ويعيد تقديمه كعنصر حى ومتفاعل داخل شبكة الوجود.
ليس سيدًا مطلقًا للكون.. وليس عبدًا مطلقًا له. بل هو شريك فى كشف احتمالاته، وفى تشكيل جزء من مستقبله، وفى تحويل الإمكان إلى واقع. وهذه ربما واحدة من أعمق الثورات الفكرية فى عصرنا.




