بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: المفارقة الإسكندنافية.. لماذا لا تكفي المساواة لحماية المرأة؟

حين نتحدث عن العنف ضد المرأة، يتجه ذهن كثيرين فورًا إلى المجتمعات الفقيرة أو التقليدية، حيث التعليم أقل، والاستقلال الاقتصادي للمرأة أضعف، والقوانين أقل حماية لها، لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا؟

ماذا لو أخبرتكم أن بعض أعلى نسب العنف ضد المرأة سُجلت في دول تُعتبر النموذج العالمي للمساواة بين الجنسين، مثل السويد وفنلندا والدنمارك؟

هذه الظاهرة أطلق عليها الباحثون اسم «المفارقة الإسكندنافية».

ففي الوقت الذي تتصدر فيه دول شمال أوروبا مؤشرات التعليم والرفاهية والمساواة، تشير الدراسات إلى أن نسب النساء اللاتي تعرضن لعنف جسدي أو جنسي خلال حياتهن تصل إلى ما يقرب من نصف النساء، بل تتجاوز ذلك أحيانًا.

فهل يعني هذا أن المرأة في هذه الدول أقل أمانًا من المرأة في دول أخرى؟

ليس بالضرورة.

فالسبب الأول قد يكون أن تعريف العنف هناك أوسع كثيرًا؛ إذ لا يقتصر على الضرب أو الاعتداء الجنسي، بل يشمل الإكراه النفسي، والسيطرة الاقتصادية، والتهديد، والعنف اللفظي، وأنماطًا أخرى من السلوك كانت تُعتبر في مجتمعات أخرى «خلافات أسرية» أو «أمورًا خاصة».

والسبب الثاني أن النساء أكثر استعدادًا للإبلاغ عن تعرضهن للعنف. فالمجتمع لا يلوم الضحية، والقانون يوفر الحماية، ومؤسسات الدولة أكثر قدرة على الاستجابة.

لكن حتى بعد أخذ هذه العوامل في الاعتبار، يبقى السؤال قائمًا:

لماذا يستمر العنف في مجتمعات بلغت هذا المستوى من التقدم؟

ربما لأن المشكلة ليست فقط في القوانين، ولا في الاقتصاد، ولا حتى في الثقافة.

ربما تكمن جذور العنف في الإنسان نفسه.

فالإنسان يحمل داخله نزعات متناقضة؛ القدرة على الحب والرغبة في السيطرة، الميل إلى التعاون والنزوع إلى الهيمنة، الاستعداد للتضحية والسعي إلى امتلاك الآخر.

وعندما يشعر بعض الرجال بأن مكانتهم التقليدية تهتز، أو أن السلطة التي اعتادوا ممارستها أصبحت موضع سؤال، قد يتحول هذا الشعور إلى عنف، سواء كان جسديًا أو نفسيًا.

المساواة إذن لا تُنتج بالضرورة إنسانًا جديدًا.

إنها تخلق إطارًا أكثر عدلًا، لكنها لا تلغي الغيرة، ولا الخوف، ولا الرغبة في السيطرة.

ولهذا فإن معركة حماية المرأة ليست معركة قوانين فقط.

إنها معركة تربية.

معركة ثقافة.

معركة إعادة تعريف القوة ذاتها.

فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض الإرادة، بل في القدرة على احترام حرية الآخر.

وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه لنا «المفارقة الإسكندنافية» هو أن التقدم لا يقاس فقط بما نكتبه في الدساتير، ولا بما تحققه النساء من نجاح اقتصادي أو سياسي.

بل يقاس بقدرة الإنسان على أن يرى في الآخر شريكًا لا تابعًا، وإنسانًا كامل الحقوق لا موضوعًا للسيطرة.

فالعنف ضد المرأة ليس مشكلة شرق أو غرب.

إنه سؤال عن طبيعة الإنسان.

وسؤال كهذا لا توجد له إجابة نهائية.

لكنه يستحق أن نطرحه باستمرار، لأن الحضارة الحقيقية لا تبدأ عندما تصبح المجتمعات أكثر ثراءً، بل عندما يصبح البشر أكثر إنسانية.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى