المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

المواطنة.. بين النص الدستوري ولغة الواقع بقلم حسام بدراوي

ليست المواطنة حالة إدارية، ولا توصيفًا قانونيًا جامدًا، بل هى علاقة أخلاقية بين الإنسان والوطن، تقوم على الاعتراف المتبادل: اعتراف الوطن بكرامة أبنائه، واعتراف الإنسان بانتمائه الحر إلى هذا الكيان الجامع. وحين تختل هذه العلاقة لا يكون الخلل فى النصوص وحدها، بل فى الوعى الذى يسبقها ويليها.
فالدساتير تُكتب لتُنظّم الواقع، لكنها لا تصنعه وحدها. والواقع لا يستقيم إلا حين تتحول القيم الدستورية إلى ثقافة يومية، تتجلى فى اللغة، وفى الخطاب العام، وفى طريقة نظر المجتمع إلى أفراده المختلفين. لذلك، فإن أى مساس غير واعٍ بلغة المواطنة، أو أى تصنيف ضمنى بين أبناء الوطن الواحد، لا يُعد خطأً لغويًا بريئًا، بل مؤشرًا على خلل أعمق فى فهم فكرة الانتماء ذاتها.
من هنا، يصبح الحديث عن المواطنة ضرورة فكرية قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا، ومحاولة دائمة لتصحيح البوصلة، حتى يظل الوطن كيانًا جامعًا لا يُعرّف أبناءه إلا بكونهم مواطنين، متساوين فى الحقوق، مختلفين فى القناعات، شركاء فى المصير.
المواطنة ليست شعارًا يُرفع فى المناسبات، ولا مادة تُكتب فى الدستور ثم تُنسى، بل هى رابطة وجودية وقانونية وأخلاقية، تجعل الإنسان مواطنًا لأنه ينتمى إلى الوطن، لا لأنه ينتمى إلى دين أو فئة أو أغلبية. وهى قبل أن تكون نصًا قانونيًا، إحساس عميق بالانتماء المتكافئ، يتجلى فى اللغة، وفى الممارسة، وفى طريقة نظر الدولة والمجتمع إلى الإنسان.
وأخطر ما يهدد مفهوم المواطنة ليس التمييز الصريح وحده، بل ذلك التمييز المستتر الذى يتسلل عبر كلمات مألوفة، ونوايا قد تكون حسنة، لكنه يحمل فى عمقه تقسيمًا غير معلن للكيان الوطنى.
من هنا، استوقفنى- كما استوقف غيرى- ما طرحه الصديق الكاتب إبراهيم عوض فى نقده لاستخدام تعبير «الإخوة المسيحيين» فى لغة الدولة والخطاب الرسمى. وهو نقد يستحق التوقف أمامه، لا من باب الجدل اللغوى، بل من باب الوعى بالمفهوم.
فهذا التعبير، رغم ما قد يحمله ظاهريًا من ود واحترام، ينطوى ضمنيًا على تصور غير دقيق للمواطنة. إذ يفترض- دون قصد- أن هناك كيانًا أصليًا غير مُسمّى، وكيانًا آخر يُعرَّف بصفته الدينية، وكأن المصريين لا يجتمعون فى كيان واحد إلا بوصفهم «إخوة» داخل إطار أوسع، لا بوصفهم مكوّنات أصيلة فى وطن واحد.
المصريون ليسوا «إخوة داخل كيان»، بل هم الكيان ذاته.
لا يجمعهم الدين، بل الوطن.
ولا تمنحهم الأغلبية حق الوجود، لأن الوجود سابق على الأغلبية.
واللغة هنا ليست تفصيلًا هامشيًا، لأن اللغة تصنع الوعى، وتكشف عمّا ترسخ فى العقل الجمعى أكثر مما تعلن عنه النوايا. وحين نحرص على دقة اللغة، فإننا لا نمارس ترفًا ثقافيًا، بل نحمى مفهومًا دستوريًا جوهريًا هو المواطنة.
الدستور المصرى- كغيره من دساتير الدول الحديثة- لا يمنح الحقوق على أساس دينى، ولا يجعل حرية العقيدة منحة من فئة لأخرى، ولا امتيازًا تمنحه الأغلبية للأقلية. بل يقرر بوضوح أن المواطنة هى أساس الحقوق والواجبات، وأن حرية العقيدة حق أصيل للمواطن، لا يقبل الوصاية ولا التقييد.
وهنا يجب التأكيد على حقيقة كثيرًا ما تُغفل:
حرية العقيدة فى الدولة الحديثة ليست تسامحًا دينيًا، ولا هبة اجتماعية، بل هى حق دستورى يسبق أى تأويل دينى أو اجتماعى، ويعلو عليه.
بل إن مفهوم المواطنة، فى جوهره الإنسانى، لا يتوقف عند حدود الانتماء إلى الأديان السماوية الثلاثة. فالعالم اليوم يضم ما يقارب ثمانية مليارات إنسان، أكثر من نصفهم لا ينتمون إلى الإسلام أو المسيحية أو اليهودية. ولم تسقط عنهم إنسانيتهم، ولم تنتقص أوطانهم من حقوقهم بسبب ذلك.
والمصريون، كغيرهم من شعوب الأرض، قد تتعدد هوياتهم الفكرية والعقدية، وقد تختلف تصوراتهم للوجود، لكنهم يظلون مواطنين كاملين غير منقوصى الحقوق. فالمواطنة لا تُقاس بنوع العقيدة، ولا بدرجة قبولها اجتماعيًا، بل بالانتماء للوطن والالتزام بقانونه.
إن أخطر أشكال التمييز ليست تلك التى تُمارس بصوت مرتفع، بل تلك التى تُمارس همسًا، تحت لافتات الطمأنينة، وبذريعة الحفاظ على السلم الاجتماعى. فحين تُعامل الحقوق على أنها تنازلات، وحين يُطلب من المختلف أن يُثبت حسن نواياه باستمرار، نكون قد انتقلنا من دولة المواطنة إلى مجتمع الوصاية.
وإذا أردنا لمفهوم المواطنة أن يكون حيًا، لا مجرد مادة دستورية، فعلينا أن نراجع لغتنا، وخطابنا، وممارساتنا اليومية، لأن المواطنة لا تُختبر فى النصوص، بل فى التفاصيل الصغيرة التى تشكّل وعى الناس وشعورهم بالانتماء.
المواطنة ليست أن نعيش معًا، بل أن نعيش متساوين، دون توصيف، ودون تصنيف، ودون إذن من أحد.
إننى أرى أن مفهوم المواطنة فى الوعى الحكومى وفى لغة بعض المسؤولين فى مأزق.
فالمواطنة لا تُمنح ولا تُسحب، بل تُفترض بحكم الانتماء الإنسانى للوطن. لكن عندما نميز بين المواطنين باعتبارهم ضيوفًا أو إخوة للكيان المصرى فهو تمييز يجعل الانتماء نفسه مشروطًا بالعقيدة، لا بالولاء للوطن.
بهذا المعنى، يتحوّل الدين من تجربة روحية إلى بطاقة عبور مدنية، ومن علاقة بين الإنسان وخالقه إلى علاقة بين المواطن والموظف المختص فى مصلحة الأحوال المدنية.
الفلسفة التى غابت فى جوهرها أن حرية العقيدة ليست مسألة قانونية بل قضية وعى فلسفى. إن حرية الإنسان فى أن يؤمن أو لا يؤمن، وأن يختار لنفسه معنى الوجود، هى ما يجعله إنسانًا.
حين تتدخّل الدولة بشكل مباشر أو ضمنى أو بتكرار استخدام عبارات بعينها فى هذا الفضاء الداخلى، فهى لا تنتهك القانون فقط، بل تتعدى على منطقة الوعى.
فى الدولة المدنية الحقيقية، الدين لله والوطن للجميع. أما حين يُصبح الدين شرطًا للمواطنة الكاملة فإننا أمام نظام يختزل الإنسان فى معتقده، ويقيس انتماءه بمقياس الإيمان الرسمى لا المشاركة الوطنية.
هذا هو المنحدر الذى يبدأ باسم حماية العقيدة، وينتهى باسم إقصاء البشر.
الدولة المدنية القوية لا تخشى التعدد، بل تنظمه بالعدل.
والمجتمع الواثق لا يخاف الاختلاف، بل يحميه بالقانون.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى