
منشور في مجلة ” حرف” بتاريخ الأربعاء ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
هل يصنع المستبد شعبًا خائفًا، أم يصنع الخوف مستبدًا؟
كتابين قرأتهما
قراءة في «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي
و«الخوف من الحرية»
لإريك فروم
بقلم
حسام بدراوي
هل يولد الإنسان محبًا للحرية، أم أن الحرية قيمة يتعلمها، وقد يخاف منها إذا لم يتعلم كيف يمارسها؟ وهل الاستبداد مجرد حاكم يفرض إرادته، أم علاقة أكثر تعقيدًا بين سلطة تريد أن تُطاع ومجتمع قد يعتاد الطاعة؟ وهل يمكن أن يسقط المستبد ويبقى الاستبداد حيًا في عقول الناس؟
هذه الأسئلة قادتني إلى قراءة كتابين من أهم ما كُتب عن علاقة الإنسان بالسلطة والحرية. الأول «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لعبد الرحمن الكواكبي، والثاني «الخوف من الحرية» لإريك فروم. يفصل بينهما زمن وثقافة وتجربة، لكنهما يلتقيان عند حقيقة مقلقة: الاستبداد ليس نظامًا سياسيًا فحسب، بل قد يتحول إلى حالة نفسية واجتماعية وثقافية.
“الكواكبي” يدرس كيف تفسد السلطة المطلقة المجتمع، و”فروم” يسأل لماذا قد يهرب الإنسان من استقلاله إلى قوة تمنحه الطمأنينة. ومن الجمع بينهما أستخلص دائرة خطيرة: الاستبداد يصنع الخوف، والخوف قد يعيد إنتاج الاستبداد. والسؤال الأهم: كيف نكسر هذه الدائرة؟
أولًا: عبد الرحمن الكواكبي… تشريح مرض الاستبداد
ولد عبد الرحمن الكواكبي في حلب عام 1855، وعمل بالصحافة والفكر والإصلاح، وعاش في ظل السلطنة العثمانية وما رافق أواخر عهدها من أزمات سياسية وإدارية. انتقل إلى مصر وتوفي عام 1902. وفي «طبائع الاستبداد» بحث علاقة السلطة المطلقة بالدين والعلم والمال والأخلاق والتربية والتقدم.
وما يلفتني، كطبيب، أنه تعامل مع الاستبداد كما نتعامل مع مرض مزمن: لم يكتف بوصف أعراضه، بل بحث عن أسبابه وآثاره المتشابكة وطرق الوقاية منه. فالمستبد ليس فقط من يرفع صوته أو يستخدم العنف؛ قد يبدو لطيفًا ويحقق إنجازات، لكنه يظل مستبدًا إذا احتكر القرار ورفض المحاسبة. الاستبداد لا يُقاس فقط بما يفعله الحاكم، بل بما لا يستطيع المجتمع منعه من فعله.
الاستبداد والعلم
أدرك الكواكبي أن المعرفة التي توقظ الوعي بالحقوق والمساءلة تهدد الحكم المطلق. وأرى أن علينا التمييز بين تعليم يمنح شهادة أو مهارة، وتعليم يبني عقلًا نقديًا مستقلًا. قد يحتاج المستبد إلى المهندس والطبيب والفني، لكنه يخشى المواطن الذي يسأل: لماذا؟ وبأي حق؟
عدد المدارس والجامعات لا يكفي معيارًا للتحرر. هل نكافئ السؤال أم نعاقبه؟ هل نعلّم أبناءنا كيف يفكرون أم ماذا يفكرون؟ التعليم الذي يقوم على التلقين والخوف من الخطأ قد ينتج متعلمين كثيرين دون أن يبني مواطنين أحرارًا.
الاستبداد والدين
لم يكن نقد الكواكبي موجّهًا إلى الإيمان، بل إلى توظيف المقدس في خدمة السلطة. حين يصبح نقد قرار بشري اعتداءً على الدين أو الوطن، تتحول السياسة إلى مجال محرّم على المساءلة. ولا يقتصر ذلك على المجتمعات الدينية؛ فقد تُقدَّس القومية أو الأيديولوجيا أو صورة الزعيم، وتصبح معارضته خيانة.
الدولة القوية لا تحتاج إلى تقديس الحاكم، بل إلى احترام القانون. والوطن لا يختزل في شخص، مهما كانت مكانته أو إنجازاته.
الاستبداد والأخلاق والتربية
حين يصبح الصدق خطرًا، يتعلم الناس المجاملة؛ وحين تصبح المصارحة مكلفة، ينتشر النفاق؛ وحين يرتبط التقدم بالولاء بدل الكفاءة، يصبح إرضاء المسؤول أهم من أداء العمل. وقد يتحول الصمت إلى فضيلة مزعومة، والاستقلال إلى تهمة.
لكن لا يجوز لوم من يصمت تحت تهديد حقيقي. فقد يخشى الإنسان فقدان رزقه أو سلامة أسرته. لذلك لا تتحقق مقاومة الاستبداد بمطالبة الناس بالشجاعة وحدها، بل ببناء مؤسسات تجعل الصدق آمنًا والاختلاف مشروعًا.
والاستبداد قد يبدأ في البيت والمدرسة والعمل: أب لا يقبل السؤال، أو معلم يعتبر الاختلاف إهانة، أو مدير يطلب الولاء لا الكفاءة. وليس كل تنظيم أو سلطة استبدادًا؛ الفارق بين قواعد عادلة تحترم الإنسان وطاعة تُطلب لمجرد امتلاك القوة.
ثانيًا
إريك فروم… لماذا يهرب الإنسان من الحرية؟
ولد إريك فروم في ألمانيا عام 1900، واشتغل بالتحليل النفسي وعلم الاجتماع، وشهد صعود النازية وهاجر في ثلاثينيات القرن العشرين. نشر كتابه
Escape from Freedom
عام 1941، وعُرف أيضًا بعنوان The Fear of Freedom
كان يسأل لماذا تستجيب جماهير واسعة لدعوة سلطوية، حتى حين تهدد استقلالها.
يميز فروم بين التحرر من القيود الخارجية، والحرية الإيجابية التي تتيح للإنسان بناء ذاته وعلاقات أصيلة مع الآخرين. فقد تزول القيود القديمة، فيجد الفرد نفسه وحيدًا أمام مسؤولية الاختيار، فيغدو الاستقلال مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة.
آليات الهروب الثلاث:
أولًا، التسلط والخضوع: يحاول الإنسان الهروب من العجز بالاندماج في قوة أكبر، فيخضع للقوي وقد يقسو على الضعيف. فيرى في الزعيم امتدادًا لذاته ويستعير منه شعورًا بالقوة.
ثانيًا، النزعة التدميرية: قد يسعى الفرد إلى إزالة ما يهدد شعوره بالأمان أو السيطرة بدلًا من مواجهة قلقه والتعامل معه.
ثالثًا، الامتثال الآلي: يتخلى الإنسان عن تفرده كي يكرر آراء الجماعة، ويخشى الخروج عليها، وربما يظن أنه يختار بحرية كاملة. وهنا قد يُفقد الاستقلال دون قمع مباشر.
النازية مثالًا وتحذيرًا
حاول فروم تفسير جاذبية النازية من خلال التفاعل بين أزمات اجتماعية واقتصادية وشعور بعض الفئات بالعزلة والعجز والحاجة إلى الانتماء.
يمنح الزعيم أتباعه هوية جاهزة وعدوًا يحمّلونه مسؤولية المعاناة. لكن لا يصح اختزال النازية في تفسير نفسي واحد؛ فالدعاية والعنف والمؤسسات والأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية كلها عناصر أساسية في فهمها.
ثالثًا: اللقاء بين الكواكبي وفروم
الكواكبي يسأل: كيف تنتج السلطة الخوف وتفسد المجتمع؟
وفروم يسأل: كيف يصبح الخوف دافعًا إلى الخضوع والبحث عن السلطة؟
إنهما يصفان طرفين في علاقة متبادلة، لا قانونًا حتميًا ينطبق على الجميع.
قد تتشكل دائرة تبدأ بتركيز السلطة وغياب المحاسبة، ثم الخوف وإضعاف الثقة، فالطاعة والامتثال، ثم ضعف المشاركة والمؤسسات، لينتهي الأمر بإعادة إنتاج السلطة المركزة.
لكن الناس لا يستجيبون جميعًا بالطريقة نفسها: فمنهم من يقاوم أو يفاوض أو يهاجر أو يعمل على الإصلاح.
ولهذا لا يكفي سقوط الحاكم؛ فقد تتغير الوجوه وتبقى أساليب الإدارة، وقد تتبدل الشعارات وتظل ثقافة الخوف.
الديمقراطية ليست انتخابات فحسب، وإن كانت الانتخابات الحرة ضرورة، بل قضاء مستقل وفصل بين السلطات وصحافة حرة وحق تنظيم وتداول للسلطة وحماية للأقلية.
رابعًا: الاستبداد الطوعي… حين يشارك المجتمع في صناعة القيد
أستخدم تعبير «الاستبداد الطوعي» هنا بوصفه وصفًا تحليليًا لظاهرة الامتثال أو التنازل عن بعض الحرية طلبًا للأمان أو الانتماء أو المنفعة، لا بوصفه حكمًا بأن ضحايا القمع اختاروا قهرهم بحرية كاملة. فالرضا الذي يُنتزع في ظل الخوف والحرمان ليس موافقة حرة بالمعنى الأخلاقي أو السياسي.
حين يخاف الناس الفوضى، قد يبالغون في قبول تركيز السلطة. والخوف من الفوضى ليس وهمًا دائمًا؛ فقد تكون للاضطرابات كلفة إنسانية حقيقية. لكن الخطأ هو تحويل مطلب الأمن المشروع إلى تفويض مفتوح، وكأن حماية المجتمع تستلزم إلغاء حقه في الرقابة والتصحيح.
ويزداد الخطر عندما تتحول صورة الزعيم إلى وعد بالخلاص. يقدمه الخطاب العام باعتباره الشخص الوحيد القادر على الإنقاذ، ويُختزل نجاح الدولة في شخصه. عندئذ يصبح السؤال عن البدائل تهديدًا للاستقرار، وتصبح المؤسسة أقل أهمية من صاحب المنصب. هذا التصور يضعف الدولة نفسها لأنه يربط استمرارها ببقاء فرد.
الإعلام الحديث وصناعة اليقين
لم تعد صناعة الطاعة تعتمد على خطاب رسمي واحد. ففي بيئة رقمية سريعة يمكن لتكرار الرسائل، والمحتوى العاطفي، والتلاعب بالصور، والمجموعات المغلقة، أن يضخم الإحساس بالإجماع ويجعل الرأي المختلف يبدو شاذًا أو خطيرًا. ولا يعني ذلك أن الجمهور بلا إرادة، بل أن شروط تكوين الرأي أصبحت أكثر تعقيدًا.
تعمل الخوارزميات أحيانًا على تعزيز ما يثير الانتباه والانفعال، وقد تزيد الاستقطاب عندما يحاصر الفرد نفسه بمصادر تؤكد قناعاته. وفي هذه البيئة لا يحتاج الامتثال إلى أمر صريح؛ يكفي أن يخشى الإنسان العزلة أو التشهير أو فقدان القبول داخل جماعته. وهنا تتجدد فكرة فروم عن الامتثال الآلي بوسائل لم يعرفها في عصره.
المنافقون حول السلطة وعزلة الحقيقة
تحتاج السلطة إلى معلومات صادقة أكثر من حاجتها إلى الثناء. لكن حين يكافأ من يوافق ويُعاقب من يعترض، ينسحب أصحاب الرأي المستقل، ويتقدم من يجيدون توقع رغبات الحاكم. ويبدأ المسؤول في سماع صورة مصنوعة عن المجتمع وعن نفسه.
قد يتلقى الزعيم احتفاءً خارجيًا، فيفسره المحيطون به على أنه تقدير شخصي مطلق، بينما تكون العلاقات الدولية محكومة بمصالح الدول وتوازناتها. وقد تُعرض عليه مؤشرات منتقاة وتصفيقات منظمة، فيضعف اتصال القرار بالواقع. هذه ليست مشكلة أخلاق أفراد فقط، بل خلل في نظام تدفق المعلومات والمساءلة.
الزعيم الذي يسمع النقد المؤسسي ويقبل مراجعة قراراته يحمي نفسه ودولته من أخطاء أكبر. أما من يساوي الاختلاف بالعداء فيحرم نفسه من أداة تصحيح لا غنى عنها.
حين تصبح الطاعة مصلحة
ليست كل أشكال الامتثال ناتجة عن الخوف وحده. فقد تدفع المنافع والمناصب والشبكات الاقتصادية بعض الأفراد إلى الدفاع عن نظام يضمن مصالحهم. وقد يتردد آخرون في المعارضة لأن البدائل ضعيفة أو غير موثوقة. لذلك لا تكفي الإدانة الأخلاقية؛ بل يلزم بناء منافسة سياسية عادلة، وشفافية، وفرص اقتصادية، وقضاء يحمي الحقوق.
ومن الضروري أيضًا ألا نخلط بين احترام المؤسسة والخضوع غير المشروط لشخص. احترام مؤسسات الدولة يعني دعم قواعدها واستقلالها وخضوعها للدستور، وليس حصر الكفاءة أو الوطنية في فئة بعينها.
خامسًا: كيف نكسر الدائرة؟
أرى أن الطريق يبدأ بالتربية على الحرية. فالديمقراطية لا تولد يوم الانتخابات؛ تبدأ حين يسمح المعلم بالسؤال، ويتعلم الطفل أن القاعدة العادلة تسري على الجميع، ويدرك الشاب أن حقه في الاختيار لا ينفصل عن مسؤوليته تجاه الآخرين.
ثم تأتي المؤسسات: دستور يُحترم، وقضاء مستقل، وبرلمان يراقب، وإعلام يحقق، وأحزاب تتنافس بحرية، وإدارة محلية تسمح بظهور قيادات جديدة، وآليات سلمية لتداول السلطة. لا يكفي أن تحمل المؤسسة اسمًا ديمقراطيًا؛ المهم أن تملك صلاحية حقيقية وتمارسها.
والأمن والحرية ليسا نقيضين. الاستقرار المستدام لا يقوم على إسكات التناقضات، بل على وجود قواعد عادلة لإدارتها. والمواطن الحر ليس من يرفض كل سلطة، بل من يقبل السلطة المشروعة ويحتفظ بحقه في مساءلتها وتغييرها.
كما لا يجوز تصور الحرية مسؤولية الفرد وحده؛ فالفقر والتمييز والتهديد وغياب العدالة قد تجعل الاختيار النظري غير قابل للممارسة. الحرية تحتاج إلى ضمانات اجتماعية واقتصادية، مثلما تحتاج إلى حقوق سياسية.
خاتمة: من الخوف إلى المواطنة
قد يستطيع المستبد أن يحكم مجتمعًا بالخوف، لكنه لا يستطيع بالخوف وحده بناء مجتمع مبدع وواثق من نفسه.
وقد يستطيع الإنسان أن يتخلص من حاكم مستبد، لكنه لن يصبح حرًا تلقائيًا إذا ظل يخشى الاختلاف ويهرب من المسؤولية.
علّمنا الكواكبي أن الاستبداد مرض يمتد إلى جوانب الحياة، وعلّمنا فروم أن التحرر من القيود لا يساوي بالضرورة القدرة على ممارسة الحرية.
وأضيف أن بناء المجتمع الحر يحتاج إلى مؤسسات تمنع احتكار السلطة، وتعليم يبني العقل المستقل، وثقافة تحترم الاختلاف، وأمان اجتماعي يجعل الاختيار ممكنًا.
إن أخطر ما يتركه الاستبداد ليس المؤسسات الضعيفة وحدها، بل الاعتياد على ألا نستخدم إرادتنا. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد التحرر أن نستبدل شخصًا بشخص دون أن نغير العلاقة بين السلطة والمجتمع.
هل نريد مواطنًا يطيع لأنه يخاف، أم مواطنًا يحترم القانون لأنه شريك في صنعه؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مجتمع يُحكم، ومجتمع يحكم نفسه.
مراجع أساسية وملاحظات منهجية
عبد الرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، طبعات عربية متعددة؛ يُرجع إلى نص الطبعة المستخدمة عند توثيق الاقتباسات حرفيًا.
Erich Fromm, Escape from Freedom, Farrar & Rinehart, 1941. نُشر في بريطانيا بعنوان The Fear of Freedom.
التحليل المقارن وعبارة «الاستبداد الطوعي» والتطبيقات على الإعلام المعاصر وصناعة صورة الزعيم هي استنتاجات وتأملات في هذه الدراسة، وليست نصوصًا منسوبة حرفيًا إلى المؤلفين.
حسام بدراوي | قراءة في الاستبداد والحرية





