
أعترف…
أنا مش ملاحق.
ليس لأن الوقت ضيق فقط،
ولا لأن العمر أصبح مزدحمًا بالمسؤوليات،
بل لأن العالم… أصبح يتدفق نحوي بلا توقف.
كل دقيقة، بل كل ثانية،
تصلني عشرات الرسائل:
أخبار… تحليلات… فيديوهات… آراء… تنبيهات… صدمات… مخاوف… ونصائح.
عالم كامل يُقذف في رأسي…
دون أن أطلبه.
أفتح هاتفي لأقرأ رسالة…
فأجد نفسي بعد دقائق—أو ساعات—
أتنقل بين عشرات الموضوعات:
حرب هنا…
أزمة هناك…
رأي سياسي حاد…
تحليل اقتصادي معقد…
قصة إنسانية مؤثرة…
ومعلومة طبية قد تنقذ حياة.
بعضها مفيد… نعم.
لكن أكثرها… ليس كذلك.
ومع ذلك… أقرأ.
السؤال الذي يطاردني:
كم من الوقت نُهدر… فقط لنختار ما يستحق أن نقرأه؟
وكم من هذا “الاختيار”
ليس اختيارًا حقيقيًا…
بل استجابة لما فُرض علينا؟
نحن لا نستهلك المعلومات فقط…
بل نُعاد صياغتنا بها.
حتى تلك الأفكار التي نرفضها…
تمر عبر عقولنا،
تترك أثرًا خفيًا،
ثم تختفي.
لكن… هل تختفي حقًا؟
هل يمكن لفكرة غير منطقية،
قرأناها مرورًا سريعًا،
أن تُغيّر شيئًا في داخلنا؟
هل يمكن لتكرار الرسائل—حتى السطحية منها—
أن يبني نمطًا جديدًا من التفكير،
يتسلل إلى النفس… دون أن نشعر؟
أنا أظن… نعم.
ليس لأننا ضعفاء،
بل لأن عقولنا لم تُخلق لهذا السيل الجارف.
العقل البشري صُمم ليتأمل،
لا ليُقصف.
ليختار،
لا ليُغمر.
وهنا يبرز سؤال أخطر:
هل هناك عقل خفي… يشكّل وجدان البشرية؟
ليس بالضرورة شخصًا واحدًا،
ولا مؤامرة بالمعنى التقليدي…
بل منظومة:
خوارزميات… منصات… مصالح…
تدفع بما يجب أن نراه،
وتُخفي ما لا يجب.
نظن أننا نختار…
بينما نحن نُقاد بلطف.
المشكلة ليست في المعلومة…
بل في فيض المعلومة.
فالقطرة تُنعش،
أما السيل… فيُغرق.
كيف نتعامل إذن؟
ليس بالانسحاب من العالم…
ولا بإغلاق الأبواب.
بل بأن نستعيد حقنا في الاختيار.
أن نسأل قبل أن نقرأ:
لماذا أقرأ هذا؟
أن نُبطئ…
في عالم يُجبرنا على السرعة.
أن نقبل أننا لن نعرف كل شيء…
ولا يجب أن نعرف كل شيء.
المعرفة ليست في الكثرة،
بل في العمق.
وليست في ما يمر بعقولنا،
بل في ما يبقى فيها.
ربما الحل ليس أن “نلحق”…
بل أن نقرر:
ماذا يستحق أن نلحق به…
وماذا يجب أن نتركه يمر.
أنا لا أزال… مش ملاحق.
لكنني بدأت أتعلم…
أن هذا ليس عيبًا.
بل ربما…
هو أول الطريق للفهم.



