المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … الأمم المتحدة بين الإخفاق الأمني وضرورة الإصلاح

الأمم المتحدة بين الإخفاق الأمني وضرورة الإصلاح
بقلم حسام بدراوي
حين تأسست الأمم المتحدة عام ١٩٤٥، بعد حربين عالميتين مزّقتا البشرية، لم تكن مجرد مؤسسة بيروقراطية، بل كانت تعبيرًا عن حلم إنسانى عميق: ألا تتكرر المأساة. كان الهدف الأول المعلن هو حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع الحروب عبر نظام جماعى قائم على القانون الدولى. لم تُنشأ المنظمة لتكون جمعية خيرية دولية، بل لتكون محاولة تاريخية جريئة لإخضاع القوة للأخلاق، أو على الأقل لإطار قانونى مشترك يضبطها.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدرك العالم أن ترك القوة بلا ضابط أخلاقى يقود حتمًا إلى الدمار. فكان المشروع الأممى تعبيرًا عن وعى إنسانى جديد: أن القوة، مهما عظمت، يجب أن تُقيد بفكرة العدالة.
اليوم، وبعد ما يقارب ثمانية عقود، يحق لنا أن نسأل: هل نجحت؟ والإجابة الموضوعية ليست نعم مطلقة ولا فشل كامل.
أولًا: الإخفاق فى حفظ الأمن الدولى:
لا يمكن إنكار أن المنظمة فشلت فى منع حروب كبرى ونزاعات ممتدة. مجلس الأمن، القلب السياسى للمنظومة، أصبح رهينة لتوازنات القوة بين الدول الخمس دائمة العضوية، حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) لتعطيل القرارات فى لحظات حرجة. هذا الشلل المؤسسى جعل المنظمة تبدو عاجزة أمام أزمات كبرى.
الخلل هنا ليس فى الفكرة الأممية ذاتها، بل فى البنية السياسية لمجلس الأمن التى تعكس ميزان قوى عام ١٩٤٥ لا عالم اليوم.
الأمم المتحدة لم تُصمَّم لتكون فوق القوى الكبرى، بل نتيجة لتفاهماتها، وحين تتصارع هذه القوى، تتجمّد المؤسسة.
ثانيًا: القوة ليست شرًا.. لكنها عمياء:
فى النظرية السياسية، يُميَّز دائمًا بين «القوة كأداة» و«القوة كغاية». حين تتحول القوة إلى غاية فى ذاتها، تفقد بعدها الأخلاقى. وحين تُضبط بقواعد متفق عليها، تصبح ضمانة للاستقرار.
مجلس الأمن يمثل هذا التوتر الدائم. الدول الخمس الكبرى لم تُمنح حق النقض لأنها أكثر أخلاقية، بل لأنها كانت- ومازالت- الأقوى. بمعنى آخر: النظام الأممى لم يلغِ القوة، بل اعترف بها واحتواها. المشكلة أن الاحتواء تحوّل أحيانًا إلى هيمنة.
حين يعجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار بسبب تضارب مصالح القوى الكبرى، لا يكون الفشل تقنيًا، بل فلسفيًا: إنه فشل فى تحقيق التوازن بين ميزان القوة وميزان العدالة. وهنا يبرز السؤال الجوهرى: هل يمكن لنظام دولى أن يكون أخلاقيًا إذا كان قائمًا على تفاوت غير عادل فى توزيع القوة؟
الواقع يقول إن تجاهل القوة وهمٌ، لكن تجاهل الأخلاق كارثة.
ثالثًا: نجاحات لا يجوز إنكارها
حصر تقييم المنظمة فى ملف الأمن وحده يُعد اختزالًا ظالمًا. تحت مظلة الأمم المتحدة تعمل مؤسسات وبرامج غيّرت حياة مئات الملايين، مثل:
منظمة الصحة العالمية التى قادت حملات مكافحة الأوبئة وبرامج التحصين العالمية.
اليونسكو التى حافظت على التراث الإنسانى ودعمت التعليم والثقافة.
اليونيسف التى تعمل لحماية الأطفال فى مناطق النزاع والفقر.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائى الذى يدعم التنمية المستدامة فى الدول النامية.
هذه المنظومة التنموية والإنسانية لم تفشل، بل تطورت وأثبتت فاعليتها فى مجالات الصحة، التعليم، البيئة، ومكافحة الفقر.
الجانب التنموى والإنسانى يعمل فى مساحة أقل صدامًا مع منطق القوة الصلبة؛ فى هذه المساحة، تصبح الأخلاق أكثر قدرة على الحركة. الصحة، التعليم، التنمية… مجالات تتراجع فيها شهوة الهيمنة لصالح المصلحة المشتركة.
كأن النظام الأممى نجح حيث تقلّصت حدة الصراع على السلطة، وفشل حيث اشتدّت.
رابعًا: لماذا يجب ألا يكون الحل هو الهدم؟
الدعوة إلى هدم النظام الأممى تعنى عمليًا العودة إلى عالم تحكمه موازين القوة المجردة دون إطار قانونى جامع. البديل ليس نظامًا مثاليًا، بل فراغًا دوليًا قد يكون أكثر فوضوية.
التاريخ يُعلّمنا أن المؤسسات الدولية لا تُهدم لتُستبدل بأفضل منها بسهولة؛ بل غالبًا ما تُهدم فى لحظات غضب، ثم تُفتقد فى لحظات الفوضى.
وجود مؤسسة ضعيفة يمكن إصلاحها أفضل من غيابها لأن المؤسسة الأممية، حتى فى عجزها، تظل مساحة أخلاقية رمزية تُذكّر العالم بأن هناك قانونًا أعلى من المدافع،
الهدم ليس حلاً… بل انتصارًا للقوة العارية: تحالفات مؤقتة، سباقات تسلح، ومصالح بلا إطار جامع.
خامسًا: ماذا يحتاج النظام الأممى؟
الإصلاح لا الهدم. ومن أهم مسارات التطوير:
إصلاح مجلس الأمن ليعكس التوازنات الدولية الحالية.
مراجعة آلية الفيتو أو تقييد استخدامها فى حالات الجرائم الجماعية.
تعزيز دور الجمعية العامة كممثل أوسع للإرادة الدولية.
ربط الأمن بالتنمية باعتبار أن الفقر والظلم هما جذور كثير من النزاعات.
إدماج فاعلين جدد من المجتمع المدنى والمؤسسات الإقليمية فى آليات صنع القرار.
الإصلاح ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة تاريخية- وفعلًا أخلاقيًا- لاستعادة ثقة الشعوب فى النظام الدولى.
إصلاح مجلس الأمن، مراجعة استخدام الفيتو، توسيع التمثيل الدولى… كلها خطوات تعيد ضبط العلاقة بين القوة والشرعية. فالشرعية ليست نقيض القوة، بل مصدر استدامتها. والقوة التى لا تستند إلى شرعية أخلاقية تتحول إلى عبء على صاحبها قبل خصومه.
بين الواقعية السياسية والمثالية الأخلاقية
الأمم المتحدة هى محاولة توفيق بين المدرستين: المدرسة الواقعية التى ترى أن الدول تتحرك وفق مصالحها لا وفق القيم، والمثالية التى تراهن على القانون الدولى والضمير الإنسانى. إنها ليست مثالية خالصة، ولا واقعية بحتة؛ إنها تسوية تاريخية بينهما. لكن كلما اختل ميزان القوة عالميًا، اهتزت هذه التسوية.
خاتمة:
السؤال الحقيقى ليس: هل فشلت الأمم المتحدة؟ بل: هل نجح العالم فى الارتقاء بوعيه السياسى إلى مستوى الفكرة الأممية؟
الأمم المتحدة ليست كيانًا مستقلًا عن إرادة الدول، بل مرآة لها. وحين تفشل، فإنها تعكس خللًا فى الوعى الدولى، لا مجرد خلل مؤسسى. إن الأمم المتحدة لم تفشل كنظام إنسانى شامل، لكنها تعثرت فى أهم وظائفها السياسية: حفظ الأمن الدولى. وهذا التعثر لا يستدعى الهدم، بل مراجعة شجاعة.
المنظمة ليست مبنى من الخرسانة يمكن هدمه وإعادة بنائه، بل هى شبكة علاقات ومصالح وأطر قانونية تشكل الحد الأدنى من النظام فى عالم يميل بطبيعته إلى الصراع.
الصراع بين القوة والأخلاق سيبقى ما بقى الإنسان. لكن قيمة المشروع الأممى أنه جعل هذا الصراع علنيًا، خاضعًا للنقاش والقانون، لا للرصاص وحده.
وفى زمن تتصاعد فيه النزعات القومية والشعبوية والانغلاق والصدامات الجيوسياسية، يصبح تطوير النظام الدولى ضرورة حضارية وأخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى