بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الموقع

د. حسام بدراوي يكتب لـ«الموقع» .. فلسفة الطاعة بين العقل والخضوع و التربية والنظام

هل الطاعة فضيلة؟ أم أنها خضوع يُقصي العقل؟

وهل نربّي أبناءنا على طاعة من دون نقاش، بينما نُطالبهم في نفس الوقت بالتفكير النقدي والاستقلالية؟

وهل المجتمعات الحديثة تقيم النظام على الطاعة، أم على الوعي بالقانون والدستور؟

في هذا المقال، أحاول أن أستعرض مفهوم الطاعة كقيمة فلسفية، ونقارن بين الطاعة العمياء والطاعة الواعية، وبين ما تحتاجه التربية، وما تحتاجه الأمة.

الطاعة، في معناها المجرد، هي الاستجابة لإرادة أعلى، قد تكون تلك الإرادة سلطة أسرية، دينية، سياسية، أو حتى صوت الضمير. وفي التاريخ البشري، ارتبطت الطاعة غالبًا بالفضيلة، حتي لو اختلفنا في تعريف الفضيلةً في كل زمن ، خاصة في سياق الولاء وفرض سلطة السيد المالك أو الحاكم أو رب الأسرة.

لكن، هل تستوي كل أشكال الطاعة؟

الفرق الجوهري يكمن في الغرض ووسيلة الإقناع: الطاعة الناتجة عن الخوف تولّد الاستسلام.الطاعة الناتجة عن الحب تبني الثقة. الطاعة الناتجة عن الفهم والاقتناع تخلق وعيًا وتماسكًا.

ولكن الطاعة المبنية علي ملكية الانسان او لقهره من سلطة حاكمة هي موضوع آخر.

ولعلّ من أشدّ صور الطاعة قسوة عبر التاريخ ما عرفه البشر من طاعة الاستعباد: طاعة العبيد لأسيادهم عبر قرون طويلة، حيث قُبل الخضوع كقانون اجتماعي مسكوت عنه، يضمن للسيد السيطرة وللعبد البقاء. إنها طاعة بلا كرامة، طاعة تسلب الإنسان إنسانيته وتحوّله إلى أداة.

وفي مجال الدين، جاءت الطاعة للخالق كأسمى معانٍ للعبادة، تعبيرًا عن ارتباط المخلوق بالقوة العظمى التي خلقته. غير أن هذه الطاعة، حين تُختزل في طاعة رجال الدين الذين يفسرون إرادة الله وفق رؤاهم، تتحول إلى استعباد من نوع آخر: استعباد باسم المقدّس، حيث يُطلب من الإنسان أن يخضع لتأويل بشري وكأنه أمر إلهي مطلق. وهنا وجب التمييز بين طاعة الله كإيمان ووعي، وبين طاعة الكهنوت كتسليم أعمى لإرادة بشر.

هنا علينا ان نتكلم علي الوعي في التفسير والمعرفة التي تتيح للعقل اختيارات فننقل فكرة الطاعة للخالق من منظور سلبي الي منظور ايجابي.

وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية، شهد التاريخ شكلًا آخر من الطاعة، هو طاعة المرأة للرجل: كابنة وزوجة وأم. هذه الطاعة فُرضت عبر أعراف وموروثات ذكورية، وما زالت تجد مكانًا لها في مجتمعات جاهلة تُفسّرها أحيانًا على أنها أوامر إلهية، بينما هي ليست كذلك. فالطاعة هنا ليست وعيًا ولا اختيارًا، بل انعكاس لهيمنة اجتماعية تحتاج إلى تفكيك ونقد مستمر.

في التربية التقليدية، كانت الطاعة هدفًا: “قل حاضر ولا تناقش”.

أما في التربية الحديثة، فالأولوية أصبحت للسؤال، للفهم، للنقد البنّاء. نُربّي أبناءنا اليوم على أن يسألوا: “لماذا؟”، وأن يُناقشوا الأوامر، وأن يكون لهم رأي في البيت والمدرسة. لكننا، في نفس الوقت، نطلب منهم أن يطيعوا القواعد، ويحترموا النظام، ويلتزموا بالمواعيد والتعليمات. فهل هذا تناقض؟

الجواب لا.

بل هو تطوّر في فهم الطاعة كخُلق يُبنى على الاقتناع، لا القهر.

في إدارة الجيوش في الحروب مثلاً، الطاعة الفورية للأوامر قد تكون مسألة حياة أو موت. لكن حتى في الجيش، الطاعة لا تكون بلا وعي، فهناك تدريب طويل على الفهم والانضباط، وهناك خطوط حمراء مثل “الأوامر غير المشروعة”، التي يُسمح بل ويُطلب رفضها.

وفي إدارة المجتمعات، تُبنى الدولة على الطاعة للقانون والدستور، لا لأشخاص أو أوامر مطلقة. فالقانون ليس قيدًا، بل إطارًا لتنظيم الحرية، والدستور ليس فرضًا، بل عقدًا اجتماعيًا ارتضته الشعوب.

إن الطاعة ليست نقيض الحرية في كل الحالات، بل قد تكون وسيلتها حين تُبنى على الوعي. قد تكون طاعة القوانين العادلة وسيلتنا لعدم تحول الحرية اليً فوضي وهو ما يحدث وحدث عبر التاريخ.

الطفل الذي يطيع عن اقتناع يصبح إنسانًا مسؤولًا.

والمواطن الذي يطيع القانون لأنه يحترمه، لا لأنه يخشاه، هو من يبني دولة عادلة.

وفي زمن يسوده التمرد الأعمى تارة، والطغيان المقنّع تارة أخرى، نحتاج إلى إحياء قيمة الالتزام الواعي، لا بوصفه خضوعًا، بل اختيارًا حرًا للواجب والمسؤولية.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى