بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

إيفيلين بوريه حين يصنع الجمال قرية بقلم حسام بدراوي

من هي إيفيلين بوريه؟
إيفيلين بوريه (Evelyne Porret) فنانة خزف سويسرية جاءت إلى مصر في ستينيات القرن العشرين، واستقرت في قرية تونس المطلة على بحيرة قارون. حكانت أول من أدخل فن الخزف والفخار الفني إلى القرية بشكل منهجي.
أسست مدرسة لتعليم الخزف لأبناء القرية، خاصة الأطفال والشباب، بأسلوب بسيط وإنساني.
لم تكن مشروعها تجاريًا بقدر ما كان مشروعًا ثقافيًا وتنمويًا.
ماذا صنعت في قرية تونس؟
لقد حوّلت قرية فقيرة ومعزولة إلى مركز إقليمي لفن الخزف. مقصد سياحي ثقافي و نموذج للتنمية القائمة على الفن والتعليم لا على المعونات . لقد خرّجت أجيالًا من الفنانين والحرفيين الذين أسسوا ورشهم الخاصة. بفضلها أصبحت القرية اليوم مليئة بالورش والمعارض والمهرجانات.
تجربة السيدة إيفيلين مثال نادر للتنمية ،و تمكين المجتمع المحلي.
وأظهرت دور الفن في تغيير الاقتصاد والوعي معًا. تجربتها تُدرَّس اليوم كنموذج عالمي في التنمية الثقافية المستدامة.
لم تأتِ إيفيلين بوريه إلى قرية تونس في الفيوم وهي تحمل خريطةً للتنمية، ولا برنامجًا أمميًا، ولا خطابًا عن الفقر والتمكين. جاءت بشيء أبسط…وبشيء أخطر.
جاءت بحسّ الجمال.
قرية تونس، قبل إيفيلين، لم تكن سوى نقطة منسية على هامش بحيرة قارون. مكانٌ يشبه آلاف الأماكن التي تمر عليها الدولة فلا تراها، ويمر عليها التاريخ فلا يتوقف.
لكن إيفيلين رأت ما لا يُرى ،أن في الطين روحًا، ، وفي يد الطفل طاقة خلق، وفي الجمال خلاصًا صامتًا.
لم تُعلِّمهم كيف يصنعون فخارًا.، علّمتهم – دون أن تقول – كيف يكتشف الإنسان نفسه وهو يخلق.
كانت تجلس مع الأطفال كما يجلس الحكيم مع تلاميذه لا أوامر، لا مناهج صلبة، بل مساحة للدهشة.
الطين بين الأصابع لم يكن مادة، كان سؤالًا وجوديًا: ماذا تستطيع أن تصنع؟ ومن تكون حين تصنع؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
لم تتحدث إيفيلين عن “تمكين المرأة”، لكن نساء القرية صرن صاحبات ورش. لم تتحدث عن “اقتصاد إبداعي”، لكن القرية صارت مصدر رزق كريم لأهلها. لم تتحدث عن “الهوية”، لكن الفخار حمل روح المكان لا تقليد المدن.
هذا هو الفرق بين من يغيّر الواقع ومن يكتب عنه تقارير. إيفيلين لم تغيّر القرية، بل أعادت للإنسان ثقته في قدرته على الخلق.
وهنا بيت القصيد.
نحن نخطئ حين نظن أن الجمال ترف. الجمال ضرورة وجودية. الإنسان حين يخلق شيئًا جميلًا: لا يدمّر، لا يحقد،ولا يستسلم. الجمال يُهذّب النفس دون وعظ، ويُعيد ترتيب الداخل دون خطاب.
ما فعلته إيفيلين هو ما تفعله الرسالات الكبرى حين تنجح: لم تُملِ على الناس كيف يعيشون، بل فتحت لهم باب المعنى.
ولهذا، لم تحتج القرية إلى شرطة أخلاق، ولا إلى خطب طويلة. الطين قام بالمهمة.
قرية تونس… شاهد على فكرة أكبر فهي اليوم ليست مجرد مكان سياحي. هي برهان حي على فكرة ننسى أهميتها:
أن الإنسان لا يُبنى بالقوة، ولا يُنقذ بالمعونات، بل يُستعاد بالجمال والمعنى.
إيفيلين لم تكن مصرية،رلكنها فهمت مصر أكثر من كثيرين. فهمت أن هذا البلد لا يحتاج من “يُنقذه”، بل من يوقظ ما فيه.
تحية لإيفيلين… وتحية للفن ، فقد رحلت، وبقي الأثر. بقي الطين شاهدًا، وبقي الأطفال فنانين، وبقيت القرية تقول لنا بهدوء: حين تحترم روح الإنسان، يصنع هو معجزته بنفسه.
هذا – في جوهره –درس في الوعي، وفي الخلق الإنساني، وفي معنى أن تكون الحضارة فعلًا… لا شعارًا.
درست بوريه الفنون التطبيقية في سويسرا قبل هجرتها إلى مصر عام 1965،
وتقول في لقاء تلفزيوني مع بي بي سي عام 2016، بلغة عربية ولكنة مصرية سليمة، كانت تجيدها بعد سنين من الاستقرار في مصر، إنها لطالما أحبت الأجواء الريفية حتى في بلدها الأم، كما تحكي عن انبهارها بالفنون الريفية في مصر.
وأضافت في ذلك اللقاء: “أحب أن أعمل في مكان توجد فيه مناظر جميلة أمامي بإمكاني رسمها، مثل النخل هنا والحيوانات هناك والمناظر الحلوة في الصحراء هنا حولنا”.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى