
إنني أتأمل مأزق العدالة حين تتقاطع مع منطق القوة الصارم في الدولة وفي النظام الدولي معاً، وأشارك المجتمع الواعي، قراءة صريحة، مؤلمة وصادقة عن علاقة السلاح بالسلطة، والمال بالقانون، والمبادئ بالأدوات التي تحكم تنفيذها في الواقع. قراءة تذهب إلى جذور المعضلة الوجودية في طبيعة الحكم والسيطرة.
في جوهر الفلسفة السياسية يكمن سؤال يتكرر عبر العصور: ما الذي يجعل القوانين ملزمة؟ هل يكفي أن نتفق على نصوص مكتوبة لنضمن العدل؟ أم أن خلف كل قانون يقف دوماً من يملك القوة لتنفيذه أو تعطيله؟ وهل يمكن للعدالة أن تزدهر في عالم غير متكافئ في أدوات السلطة؟
لماذا تخذلنا العدالة حين يتحالف السلاح مع المال في مواجهة الدساتير؟؟
لنبدأ من صورة رمزية تلخص مأساة هذا السؤال المعقد:
“إذا كنت تحمل مسدساً وأحمل مسدساً، يمكننا أن نتحدث عن القانون.
إذا كنت تحمل سكيناً وأحمل سكيناً، يمكننا أن نتحاور حول القواعد.
إذا جئنا معاً خاليي الوفاض، يمكننا أن نتناقش بعقلانية.
أما إذا كنت تحمل مسدساً وأنا لا أملك شيئاً، فقد صار ما في يدك ليس مجرد سلاح، بل أصبح حياتي نفسها.
هكذا، بكل بساطة وقسوة، ينكشف جوهر العلاقة بين القانون والقوة. العدالة لا تولد في الفراغ الأخلاقي، بل تحتاج أولاً إلى توازن في أدوات السيطرة. حين تتساوى الأدوات –سواء كانت سلاحاً أو نفوذاً مالياً أو سلطة سياسية –يصبح القانون ضرورة لضبط هذا التوازن وتنظيمه. أما حين يختل الميزان، فإن النصوص القانونية تصبح مجرد واجهة مزخرفة تخفي تحتها جبروت من يملك القوة الحقيقية.
هذه الحقيقة المؤلمة تنطبق بنفس القدر على صراع السلطة داخل الدولة الواحدة كما تنطبق على مسرح السياسة الدولية.
على مستوى العالم، يكتمل المشهد بشكل معقد ولكنه مفهوم ولا يختلف في الجوهر عما يحدث على مستوى الدولة أو الجماعة. في العلاقات بين الدول، كثيراً ما يتحدث القادة عن القانون الدولي وحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. لكن متى كانت المبادئ العليا تُطبق عندما تتعارض مع مصالح الدول الكبرى؟ حين تتحرك الجيوش، تصمت الشرعية الدولية، وحين تنطق القوة الاقتصادية، ينكسر حتى ما تبقى من المعايير الأخلاقية. لقد تحول النظام الدولي إلى ساحة مفتوحة تتصارع فيها القوى الكبرى، تفرض القواعد حين تشاء، وتخرقها حين تضر مصالحها، كل ذلك تحت لافتة القانون الدولي.
في دول العالم الثالث، الحاكم الفرد أو الجماعة التي تحتكر الجيش والأمن وتهيمن على مفاصل المال لا يحتاج الأمر إلى كثير من الذرائع القانونية للحكم، لأنه ببساطة عندما يتملك أي حاكم الوسائل التي تفرض سلطته وتخنق معارضيه، يتحول القانون في هذه الحالة إلى قناع ناعم يخفي القبضة الحديدية التي تتحكم في كل شيء. وعندما يجتمع المال مع السلاح في يد واحدة، تصبح الديكتاتورية النتيجة الطبيعية لهذا الاحتكار، مهما تزينت بدساتير مصاغة بعناية أو برلمانات شكلية.
فما بالك إذا لبس اجتماع المال والسلاح عمة التدين والكلام باسم الله!!!!!
قد لا ينقذ الحق للمواطنهنا غير إمكانية التداول السلمي للسلطة وتطبيق الفصل بين السلطة التنفيذية وسلطة الرقابة البرلمانية والإعلاموهو ما علمتنا التجربة أنه يتم تعطيله مضمونا مع إبقاء الشكل لخداع الجماهير ومنع استخدام أدوات الدين في الحكم.
تلك هي مأساة العدالة حين تُفرغ من مضمونها الحقيقي وتُربَط بتوازن السلاح والمال لا بتوازن الحقوق.
قد يظن البعض أن هذا قدر محتوم للبشرية لا فكاك منه. وكنت، مثل كثيرين، أرى أن الديمقراطيات العريقة قدمت للبشرية طريقاً بديلاً واعداً. النموذج الأمريكي تحديداً كان يبدو في لحظة ما وكأنه الدليل العملي على إمكانية إقامة نظام حكم يضمن تداول السلطة السلمي، ويفصل السلطات، ويضع حدوداً قانونية لجبروت الدولة. دستور محكم، قضاء مستقل، إعلام حر، انتخابات دورية… عناصر بدت وكأنها الضمانة الحقيقية لحكم الشعب لنفسه.
لكن الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة نفسها كشفت الوجه الآخر لهذا الحلم. فقد نجحت تجمعات المال الكبرى، وشركات السلاح، وأباطرة الإعلام، وتغلغل السيطرة الصهيونية في شراء النفوذ السياسي وتحويل العملية الديمقراطية إلى صراع ماليأكثر منه تنافساً ديمقراطياً نزيهاً. أصبح من يملك المال الأكثر يملك القدرة على تشكيل الرأي العام، وتمويل الحملات الانتخابية، وشراء الولاءات داخل المؤسسات السياسية والإدارية ، وأري بوادر تآكل استقلال القضاء.
هكذا يتداعى المثال ذاته الذي كان من المفترض أن يكون ملاذاً للبشرية في صراعها الطويل مع استبداد القوة. حتى في أكثر الأنظمة “ديمقراطية” .
انني أحس أحيانا بالخيانة الشخصية من الولايات المتحدة في تحولها الداخلي الذي ضرب إيماناتي بالمبادئ التي حاربت من أجلها سنيناً وتحولها الدولي الخالي من كل المبادئ التيكانت تنادي بها من حقوق إنسان إلى احترام للمؤسسات الدولية الي العولمة إلى..إلى.. إلى..
فهل نحن إذًا أمام حتمية تاريخية حيث تنتصر الديكتاتورية دوماً لأنها تتحكم في الجيش والمال معاً وتستخدم الدين حينما تريد؟
في أعماق الفلسفة السياسية لا توجد إجابة حتمية، بل معركة مفتوحة.
القوة قد تمنح السلطة، لكنها لا تضمن الشرعية. المال قد يشتري النفوذ، لكنه لا يصنع الاستقرار. القهر قد يُسكت الشعوب زمناً، لكنه يترك وراءه غلياناً متراكماً لا يلبث أن ينفجر في لحظة فارقة.
إن الخروج من هذا المأزق يبدأ من وعي الشعوب فلا يكفي أن تكون هناك دساتير مكتوبة، بل لا بد أن تكون هناك عقول يقظة تراقب وتحاسب وتحمي مؤسسات الدولة من الاختطاف. إن الخطر الأكبر على الحرية ليس في وجود القوة بحد ذاتها، بل في غياب وعي شعبي ودولييضمن توازن القوة.
فالقانون بلا تكافؤ قوة يظل حبراً على ورق، والقوة بلا شرعية نار تحت الرماد، والحرية بلا وعي دعوة إلى عبودية مقنعة.
لقد علمنا التاريخ أن كل استبداد، مهما طال عمره، ينهار في النهاية أمام إرادة الشعوب حين تستفيق. إن أعظم ما تخشاه الأنظمة المستبدة، محلية أو دولية، هو يقظة العقول، لأن الأفكار الحرة أخطر من كل الجيوش. وفي النهاية، وحدها الشعوب المستيقظة تملك الحق في أن تقول من يحكم، وكيف يُحكم.
في زمن يتهاوى فيه ما ظنناه حصوناً للقانون والعدالة، تظل الفلسفة تذكرنا أن كل أنظمة الحكم تبقى رهينة القوة الحقيقية خلف النصوص. أما الشعوب، فهي وحدها القادرة على إعادة صياغة المعادلة حين تعي أين تكمن القوة الحقيقية: ليس في السلاح ولا في المال، ولا في خلط الدين بالسياسة بل في العقول الحرة المستنيرة.
في إطار حوار حول مضمون هذا المقال قبل النشر قال لي صديق مفكر:
أقدر محاولتك الفلسفية في تفكيك العلاقة بين القانون والقوة، وفي استجلاء كيف ينقلب النص إلى قناع للسلطة حين يغيب التوازن. لكني توقفت طويلًا أمام خاتمتك التي جعلت الوعي الشعبي هو الحل والملاذ الأخير. وهنا يلح السؤال: من أين يأتي هذا الوعي أصلًا؟
كيف يرجى من شعب حرم من التعليم الحر، وأغرق في قهر يومي، وبات رهين المحبسين: محبس الديكتاتورية الباطشة من جهة، ومحبس الدولة التي تتفنن في خلط الدين بالسياسة من جهة أخرى، أن يصنع وعيًا جمعيًا قادرًا على حماية نفسه؟ كيف يُطلب من مجتمع مورست ضده كل أدوات التدمير الثقافي والفكري أن ينهض فجأة إلى الاستنارة؟
إنّ الرهان على وعي الشعوب جميل و لكن يبقي السؤال : كيف يُصنع هذا الوعي؟
في رأيي، هناك ثلاث ركائز لا غنى عنها:
1.إصلاح التعليم: فلا وعي بلا مدارس وجامعات تحرّر العقل من القيود وتبني القدرة النقدية، بدل أن تكون أدوات لتدجين الأجيال.
2.دور النخب: الشعوب لا تنهض من فراغ؛ فلا بدّ من مثقفين، وصحافة حرة، وفن وإبداع، يفتحون النوافذ ويزرعون البذور الأولى للوعي.
3.كسر المحبسين: لن ينمو وعي جمعي تحت قبضة مزدوجة من سلطة باطشة ودين مسيس؛ ما لم يفك هذا القيد، سيظل الوعي حبيسًا في دائرة مغلقة.
فإذا كان القانون يحتاج إلى توازن القوة ليحيا، فان الوعي يحتاج إلى من يزرع البذرة الأولى كي ينمو.


