المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … حين وُلد العدم في وعي الإنسان

لكي أفهم ، قرأت ، وجمّعت المعلومات ، وحللت ، وأشارككم ما وصلت اليه .

يعتقد كثيرون أن إيران قادرة، إذا أرادت، على إغلاق مضيق هرمز. هذه الفكرة تتكرر كثيرًا في التحليلات السياسية والإعلامية، وكأن الأمر مسألة عسكرية بحتة يمكن حسمها بقرار أو بعمل بحري مباشر.

لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا وأشد دلالة على طبيعة العالم المعاصر.

فمضيق هرمز – وهو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم – لم يُغلق هذه المرة بمدمرات حربية أو بصواريخ أو بحصار بحري. ما حدث كان شيئًا مختلفًا تمامًا: شركات التأمين هي التي أوقفت الحركة.

ليس بقرار سياسي مباشر، بل بقرار مالي تقني اتخذته شركات التأمين وإعادة التأمين التي تدير المخاطر في قطاع الشحن البحري العالمي.

المعلومات التي وصلت اليها انه عادةً يمر عبر مضيق هرمز يوميًا نحو 107 سفن شحن عملاقة، تحمل النفط والغاز الذي تعتمد عليه اقتصادات العالم. هذه السفن تمثل خطوط الحياة للطاقة في آسيا وأوروبا وغيرها.

لكن خلال الأيام الماضية انخفض العدد إلى نحو 19 سفينة فقط.

انهيار في الحركة يقارب 81%.

لم يحدث ذلك بسبب معركة بحرية، بل بسبب قرار واحد: سحب تغطية التأمين.

لفهم ما جرى، يجب أن نفهم كيف يعمل نظام الشحن العالمي. فقرابة 90% من سفن العالم مؤمنة عبر نحو اثني عشر مؤسسة بحرية للتأمين، وهذه الأندية تعتمد بدورها على أسواق إعادة التأمين العالمية، والتي يتمركز الجزء الأكبر منها في لندن.

عندما ترتفع مخاطر الحرب في منطقة ما، تقوم شركات إعادة التأمين بإعادة تقييم المخاطر. وإذا اعتبرت أن المخاطر أصبحت مرتفعة جدًا، فإنها قد تسحب التغطية التأمينية.

وعندها يحدث شيء بسيط لكنه حاسم: بدون تأمين لا يمكن للسفن أن تبحر.

فلا مالك سفينة مستعد للمخاطرة بسفينة قيمتها مئات الملايين من الدولارات دون حماية تأمينية.

وهكذا، لم يُغلق مضيق هرمز بأسطول عسكري، بل أُغلق عمليًا بجدول حسابات على شاشة كمبيوتر في شركة تأمين.

لكن السؤال الأهم ليس كيف توقف الشحن، بل من الذي يتضرر فعليًا من ذلك.

أول المتضررين هو إيران نفسها.

فمعظم صادرات النفط الإيرانية تمر عبر مضيق هرمز. وإذا تعطلت حركة الشحن، فإن قدرة إيران على تصدير نفطها تتراجع بشدة، مما يقلص أحد أهم مصادر دخلها، خصوصًا في أوقات التوتر والصراع.

بمعنى آخر، فإن سلاح النفط الذي يُعتقد أحيانًا أنه ورقة ضغط بيد إيران قد يتحول إلى عبء عليها أولًا.

أما الطرف الثاني الأكثر تعرضًا للمخاطر فهو الصين.

فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة عبر هذا المضيق. نحو 40% من وارداتها النفطية تمر عبر هرمز، كما أن نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية تتجه إلى الصين. إضافة إلى ذلك، فإن شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر إلى الصين تعبر المضيق نفسه.

لذلك فإن أي اضطراب طويل في هذا الممر الحيوي يهز أحد أعمدة أمن الطاقة الصيني، وهو ما يفسر الدعوات الصينية السريعة إلى التهدئة وتجنب التصعيد.

أما الطرف الثالث فهو دول الخليج نفسها.

السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق تعتمد بشكل كبير على هذا الممر البحري لتصدير النفط والغاز إلى العالم. فالمضيق يمر عبره ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط يوميًا، ولا توجد بدائل حقيقية قادرة على استيعاب هذا الحجم الهائل من الصادرات.

وفي خلفية هذا المشهد يظهر دور أقل وضوحًا لكنه شديد التأثير: النظام المالي البريطاني.

فلندن، منذ قرون، هي مركز التأمين البحري العالمي، من أسواق لويدز الشهيرة إلى شركات إعادة التأمين الكبرى. وهذا يمنحها نفوذًا غير مباشر لكنه بالغ القوة.

فعندما تقرر شركات التأمين في لندن أن المخاطر أصبحت مرتفعة جدًا، فإن حركة التجارة العالمية يمكن أن تتجمد دون أن تطلق رصاصة واحدة.

هل يستفيد أحد من هذا الوضع؟

على المدى القصير قد تستفيد روسيا. فإذا تباطأت صادرات النفط الخليجية، ترتفع الأسعار العالمية، ويصبح النفط الروسي أكثر جاذبية للمشترين، خصوصًا في آسيا.

أما دول مثل الهند، التي تستورد نحو 85% من احتياجاتها النفطية، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز يعني ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة أسعار النفط، وهو ما يضغط على معدلات التضخم والاقتصاد.

صحيح أن الهند تنوع مصادرها بين الخليج وروسيا وموردين آخرين، لكن استمرار عدم الاستقرار في هذا الممر البحري الحيوي يعني في النهاية أن الجميع سيدفع الثمن.

والدرس الأكبر هنا أن الجغرافيا السياسية في عالم اليوم لم تعد تُدار فقط من قبل الرؤساء أو الجنرالات أو حتى حاملات الطائرات.

في كثير من الأحيان، تتحكم في مسار الأحداث أنظمة أقل ظهورًا لكنها أكثر تأثيرًا: أنظمة التأمين، وأسواق المال، وشبكات الطاقة العالمية.

الصواريخ قد تصنع العناوين في الأخبار،

لكن نماذج تقييم المخاطر في شركات التأمين هي التي تقرر أحيانًا ما إذا كانت التجارة العالمية ستتحرك… أم ستتوقف.

إنه عالم لم تعد تتحكم فيه الدول وحدها، بل تتحكم فيه أيضًا الأنظمة التي تدير المخاطر والمال والطاقة.

وأحيانًا، يكفي قرار مالي هادئ في مكتب بلندن… ليغير حركة العالم

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى