
ألقى الدكتور حسام بدراوي، رئيس مؤسسة النيل بدراوي للتعليم والتنمية، اليوم الأحد الموافق 10 مايو 2026، الكلمة الرئيسية خلال مؤتمر التعليم السنوي لغرفة التجارة الأمريكية في مصر، والذي عُقد بفندق The Nile Ritz-Carlton تحت عنوان:
«الاستثمار في تشكيل مستقبل التعليم في مصر»، وذلك بحضور نخبة من الوزراء، وصناع القرار، والمستثمرين، ورواد قطاع التعليم والتنمية، إلى جانب ممثلي المؤسسات الدولية والقطاع الخاص.
وشهدت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر كلمتين رئيسيتين لكل من الأستاذ محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والدكتور حسام بدراوي، الذي أشاد خلال كلمته بجهود الوزير، مؤكدًا أنه فوجئ بقدرته على تحويل ما يُطرح من أفكار ورؤى إلى خطوات تنفيذية ملموسة، معتبرًا ذلك مؤشرًا مهمًا على جدية التطوير داخل المنظومة التعليمية.
وفي الوقت نفسه، شدد الدكتور بدراوي على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق الرؤى أو المبادرات، بل في ضمان استدامة التنفيذ وعدم تغيّر السياسات التعليمية بتغير الوزراء والحكومات، مشيرًا إلى أنه يعمل على هذا الملف من خلال متابعته لتطبيق مستهدفات رؤية مصر 2030، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
وجاءت مشاركة الدكتور حسام بدراوي، رئيس مؤسسة النيل بدراوي للتعليم والتنمية، كأبرز محطات المؤتمر، حيث تناول في كلمته رؤية مستقبلية لتطوير التعليم في مصر، مؤكدًا أن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء المؤسسات، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني، بل في العقل والوعي والقدرة على التفكير النقدي والإبداعي.
وجاءت كلمة الدكتور بدراوي كالتالي:
أصحاب المعالي والسعادة، السادة المستثمرون، رجال الأعمال، والسادة الحضور،
على مدار سنوات طويلة من العمل العام — في التعليم، والصحة، والسياسة، والاقتصاد — تعلمت أن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر الفرص.
والتعليم هو أعظم فرصة يمكن أن تمنحها الأمة لمواطنيها.
إذا أردنا أن نبني مصر القادرة على المنافسة في القرن الحادي والعشرين، فمن أين نبدأ؟
إجابتي لم تتغير أبدًا: نبدأ بإتاحة المعرفة، وبناء المهارات من خلال التعليم.
لكن السؤال الأعمق هو: كيف ننظر إلى التعليم؟
هل هو حق لكل مواطن؟ أم خدمة لا يحصل عليها إلا من يستطيع الدفع؟
هذا هو السؤال الذي أود أن أتناوله معكم اليوم.
لا شك أن الشعب المصري يستحق إنجازًا حقيقيًا وملموسًا في التعليم والتنمية البشرية.
فقوة مصر تكمن في قوة شعبها، وهذه القوة لا تتحقق إلا بالاستثمار المستمر في الوعي والمعرفة والمهارات والقيم والقدرات الإنسانية.
لقد كان التعليم دائمًا — وسيظل — أحد الأعمدة الأساسية للتنمية في كل دولة ناجحة.
في عام 2014، تشرفت بالمشاركة في إعداد رؤية مصر 2030 للتعليم، بمشاركة عشرات الخبراء والمتخصصين وصناع السياسات، عبر حوار مجتمعي واسع.
وكان الحلم واضحًا:
أن يصبح التعليم في مصر مشروعًا وطنيًا حقيقيًا، لا مجرد ملف إداري أو عبء على الموازنة.
وسألنا أنفسنا:
أي نوع من البشر تريد مصر أن تصنع للمستقبل؟
هل نريد خريجين يحفظون المعلومات فقط؟
أم عقولًا قادرة على التفكير النقدي والإبداع؟
إن فلسفة التعليم ليست مجرد تعليم القراءة والكتابة، بل بناء الإنسان فكريًا وأخلاقيًا واجتماعيًا.
ولهذا دعت رؤية مصر 2030 إلى تعليم متاح للجميع دون تمييز، بجودة عالية، داخل نظام كفء وعادل ومستدام.
وضعت الرؤية المتعلم والمعلم في المركز، مدعومين بالتكنولوجيا والتمكين الرقمي.
كما هدفت إلى بناء مواطن واثق بنفسه، مبدع، مسؤول، يحترم الاختلاف، ويفتخر بتاريخ وطنه، وقادر على المنافسة عالميًا.
لكن، وللأسف، لا تزال هناك فجوة واسعة بين الرؤية والتنفيذ.
وأقول ذلك بروح المسؤولية الوطنية.
الدستور المصري يلزم الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 6٪ من الدخل القومي للتعليم.
وهذا ليس ترفًا، بل حق دستوري وأساس لأي دولة حديثة.
وأنا أؤمن بالليبرالية الاجتماعية التي تحترم السوق والاستثمار، لكنها تؤكد أن بعض الحقوق الأساسية — وعلى رأسها التعليم — لا يجب أن تتحول إلى سلعة.
فالقطاع الخاص شريك أساسي في التعليم، لكنه يجب أن يكمل دور الدولة لا أن يحل محلها.
لأن الدولة وحدها القادرة على ضمان العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.
إذا أصبح التعليم خاضعًا فقط لمنطق السوق، فإننا نخاطر بخلق مجتمعين داخل وطن واحد:
مجتمع يمتلك المستقبل، وآخر محروم منه.
ورأس المال البشري يظل أعلى أنواع الاستثمار عائدًا.
فالتعليم الجيد ينعكس على الإنتاجية، والابتكار، والاستقرار الاجتماعي، وتحسين جودة الحياة.
ولهذا فنحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد للتعليم، يقوم على:
دولة تعتبر التعليم أولوية وطنية.
وقطاع خاص يستثمر بمسؤولية.
ومجتمع يدرك أن التعليم ليس مجرد شهادة، بل بناء للوعي والشخصية والكفاءة.
كما أن تطوير نظم مسؤولة لقروض الطلاب الجامعيين يمكن أن يفتح أبواب التعليم العالي أمام الشباب الموهوب، دون أن يصبح التعليم عبئًا ماليًا عليهم.
ويجب أن نعترف بوضوح:
إن نظام التعليم في مصر يحتاج إلى إصلاح هيكلي عميق لا يمكن تأجيله.
واسمحوا لي أن أختم بفكرة أخيرة:
فالتاريخ لن يتذكر فقط عدد الكباري والطرق التي بنيناها،
بل سيتذكر ما إذا كنا قد بنينا بشرًا قادرين على عبور المستقبل.
فالطفل الجالس اليوم في فصل فقير بقرية بعيدة قد يصبح قائدًا أو عالمًا يغير مستقبل مصر — إذا منحناه الفرصة الحقيقية.
وما زلت أؤمن بعمق أن مصر قادرة على النجاح إذا أعادت التعليم إلى مكانه الصحيح:
كحق.
وكقيمة.
وكاستثمار.
وكإحدى أعلى الأولويات الوطنية.




