بقلم د. حسام بدراويجريدة الأزهرد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

حسام بدراوي يكتب لـ”الأزهر”: بين معنى الدين وطقوسه وشعائره

هناك أسئلة تبدو بسيطة، لكنها حين تستقر في العقل طويلًا تصبح أكثر إزعاجًا. من بينها سؤال يظل يراودني: لماذا نعبد الله؟ هل يحتاج الله إلى صلاتنا؟ هل تزيده عبادتنا شيئًا؟ وهل ينقص من مُلكه أن يمتنع إنسان عن الصلاة أو الصيام؟
بالنسبة إليّ، الإجابة واضحة. إذا كان الله هو الخالق والمطلق والغني عن خلقه، فلا يمكن أن تكون العبادة حاجةً عنده.
نحن الذين نحتاج إليها. ومن هنا يتغير السؤال. بدلًا من أن أسأل: ماذا قدمتُ لله حين صليت؟ أسأل: ماذا صنعت الصلاة فيّ؟
وماذا فعل بي الصيام؟
وماذا غيرت الزكاة في علاقتي بالمال والآخرين؟
وماذا بقي في داخلي بعد الحج؟
هنا يبدأ الانتقال من الطقس إلى المعنى.
الإنسان يحتاج إلى الطقوس، فنحن لا نعيش بالأفكار المجردة وحدها.
نحتاج أن نحوّل المعنى إلى فعل، والذكرى إلى مناسبة، والحب إلى كلمة، والحزن إلى وداع، والانتماء إلى رمز.

حتى خارج الدين نصنع طقوسنا: نحتفل بأعياد الميلاد، ونقف للنشيد الوطني، ونضع الزهور على القبور. قيمتها ليست في الحركة، بل في المعنى الذي تحمله. الزهرة لا تصل إلى الميت، لكنها تفعل شيئًا في الأحياء.
الطقس يمنح المعنى جسدًا.
لكن المشكلة تبدأ حين ننسى المعنى، وحين تصبح الوسيلة غاية.
نصلي ونركع ونسجد ثم نسلّم. لكن هل تنتهي الصلاة عند «السلام عليكم»؟ أم أن الامتحان الحقيقي يبدأ بعدها؟

حين نخرج إلى الناس، حين نغضب، حين نملك سلطة على أضعف منا، حين نستطيع أن نظلم ولا يرانا أحد. هناك تظهر الصلاة، لا في عدد الركعات، بل في أثرها. القرآن يقول: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر». فإذا صلى الإنسان ولم تنهه صلاته عن الظلم أو الكذب أو الاحتقار، فإن الطقس تحقق، أما الغاية فلم تكتمل.
يميل الإنسان إلى ما يستطيع قياسه: كم مرة صليت؟ كم يومًا صمت؟ كم مرة حججت؟ الأرقام واضحة، أما الأخلاق فأصعب. لا شهادة تقول إنك أصبحت أكثر رحمة، ولا عداد يحسب مرات مقاومتك لغضبك. لذا يسهل قياس التدين بالطقوس لأنها مرئية، بينما التحول الداخلي لا يراه إلا صاحبه وربه.

وهنا وهم خطير: أن كثرة الممارسة تعني عمق الإيمان. يمكن أن يصبح الفعل عادة تستمر بعد غياب الوعي الذي بدأها.
الصوم من ظاهره امتناع عن الطعام والشراب ،لكن هل هذه الغاية؟ إذا امتنع الإنسان عن الطعام ساعات، لكنه لم يمتنع عن إهانة إنسان، فماذا تعلم؟

الصوم تجربة حرية.
يقول الإنسان لرغبته: أستطيع أن أؤجل استجابتي
لست عبدًا لما أشتهي.
قيمته الحقيقية تظهر حين تنتقل هذه القدرة إلى الغضب والطمع والرغبة في الانتقام. عندها يصبح مدرسة للإرادة. أما إذا بقي جوعًا مؤقتًا فقد تحقق الشكل وضاع المعنى.

والزكاة؟
هل يحتاج الله إلى المال؟
لا.
نحن نعطي لأن المال قد يملكنا أكثر مما نملكه. نخاف فقده ونقيس نجاحنا به.

الزكاة تقول: ليس كل ما في يدك لك وحدك.
هناك آخر ومسؤولية.
تصبح تدريبًا على الخروج من مركزية الذات.
لكن ماذا لو دفع الإنسان زكاته ثم بنى ثروته على الاستغلال؟ هنا يظهر الفرق بين الإحسان والعدل. الإحسان أن أعطيك من مالي. العدل ألا آخذ منك حقك. وبناء مجتمع عادل أصعب من توزيع الصدقات، لأنه يعيد ترتيب العلاقة نفسها.

أما الحج، فملايين من أجناس وألوان مختلفة يلبسون ما يزيل علامات التفاوت، ويتحركون ويقفون معًا. صورة مذهلة للمساواة. لكن ماذا بعد العودة؟ هل يعود الإنسان أكثر تواضعًا وإحساسًا بوحدة البشر؟

إذا عاد كما ذهب، فماذا بقي من الرحلة؟ الحج الحقيقي ليس الوصول إلى مكان مقدس فقط، بل العودة إنسانًا مختلفًا.
وهنا مفارقة نراها في مجتمعات كثيرة: تزداد مظاهر التدين ولا يزداد العدل. تمتلئ دور العبادة وتظل الرشوة. يصوم الناس ثم يغش بعضهم بعضًا.

أحد الأسباب أننا فصلنا العبادة عن الأخلاق ، جعلنا الأولى علاقة مع الله، والثانية شأنًا آخر. لكن كيف أكون قريبًا من الله وأظلم خلقه؟ كيف أطلب الرحمة لنفسي وأرفضها لغيري؟ ربما تكون علاقتي بالله أكثر ظهورًا في معاملتي للناس منها في الكلمات التي أقولها عنه.

الطقس أكثر راحة من التغيير.
له بداية ونهاية.
أما التحول الأخلاقي فلا ينتهي. أصلي ركعتين في دقائق، لكن التواضع قد يستغرق عمرًا. أدفع مبلغًا، لكن التحرر من الطمع أصعب. أصوم يومًا، لكن السيطرة على الغضب كل يوم أشق. الحج مرة، أما رؤية البشر متساوين فتحتاج مراجعة مستمرة.

نميل إلى الطقس لأنه يمنح إحساس الإنجاز. أما الأخلاق فتقول كل يوم: هناك امتحان جديد.
لماذا أعبد الله إذن؟
ليست العبادة خدمة يحتاجها الخالق،
إنها حاجة إنسانية. أنا الذي أحتاج أن أتوقف، أن أخرج من مركزيتي، أن أراجع نفسي، أن أواجه ضعفي، وأن أتذكر مسؤوليتي. قيمتها ليست فيما أفعله أثناءها فقط، بل فيما أصبحه بسببها.

إذا أدى الإنسان كل الطقوس والشعائر وخرج كما دخل، فهل تحققت العبادة أم شكلها فقط؟
لا أحكم على أحد ولا أعرف ما في القلوب ، لكنني أسأل نفسي: ماذا صنعت بي صلاتي؟ ماذا علمني صومي؟ هل أصبحت أكثر رحمة وعدلًا وصدقًا وأقل تعصبًا؟ هل جعلني إيماني أكثر تواضعًا أم أكثر ثقة بأنني أفضل من الآخرين؟ هذه أسئلة العبادة الحقيقية.
لا أريد عالمًا بلا طقوس ولا دينًا بلا شعائر. الإنسان يحتاج الاثنين. لكن الشعيرة وسيلة إلى المعنى وليست بديلًا عنه. الصلاة طريق إلى الضمير، والصوم إلى ضبط النفس، والزكاة إلى المسؤولية والعدل، والحج إلى التجرد والمساواة. وحين تنفصل الوسيلة عن غايتها يبقى الشكل جميلًا وتنسحب الروح.
وهنا سؤال أصعب: بعض الطقوس أصيلة في الدين، وممارسات أخرى تراكمت عبر القرون واختلطت بالمقدس.

فكيف نميز ما جاء به الوحي مما صنعه التاريخ؟ ما الشعيرة التي تنتمي إلى جوهر الدين، وما الطقس الذي صنعه الإنسان ثم نسي أنه هو الذي صنعه؟
وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية للإيمان

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى