
هناك كلمة واحدة كفيلة، في جلسة نقاش عربية واحدة، بإسكات محدّثٍ كامل الحجة: “إنت بس بتنظّر”. لا تحتاج الجملة إلى دليل يفندها، ولا إلى حجة تقابلها؛ يكفي أن تُقال حتى تسقط الفكرة، مهما كانت متماسكة، إلى مرتبة الترف الذهني الذي لا يعني أحدًا في شيء.
فمتى صار “التنظير” تهمة، وكيف انقلب على معناه الأصلي حتى بات أقرب إلى الشتيمة منه إلى الوصف؟
الكلمة، في جذرها اللغوي، بريئة تمامًا مما يُلصق بها. فـ”النظر” هو التأمل والتدبر، و”النظرية” ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل هي محاولة لفهمه: إطارٌ ذهني نُخضع له الوقائع المتناثرة كي تصبح قابلة للفهم والتفسير والتنبؤ.
لا توجد سياسة بلا نظرية تسندها، ولو ضمنيًا؛ فحين تختار دولة أن تستثمر في التعليم قبل الطرق، أو في الصحة قبل التسليح، فهي تُنَظّر، شاءت أم أبت، لأنها تتبنى تصورًا عن أولويات العمران والإنسان.
المشكلة إذن ليست في التنظير بوصفه فعلًا، بل في نوعٍ بعينه منه تحوّل، عبر تراكم تاريخي مرير، إلى نموذج سلبي رسخ في الوجدان العام.
صار المثقف، في هذا السياق، شخصًا يتقن وصف الداء بلغة بلاغية آسرة، لكنه لا يملك، أولا يريد أن يملك، وصفة علاج قابلة للتطبيق.
ومن هنا ترسخت المعادلة الجائرة في الأذهان: كلما ازدادت الفكرة تجريدًا، ابتعدت عن مسؤولية النتيجة.
وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي أظنه مفتاح المسألة: ثمة تنظيرٌ يُخضع نفسه لاختبار الواقع باستمرار، فيصحح مساره كلما صدمته الوقائع، وثمة تنظير آخر يتحصن بالتجريد هربًا من هذا الاختبار بالذات.
ولعل ابن خلدون، حين ميّز بين “الخبر” المجرد و”الخبر” المُختبر بمعرفة طبائع العمران، كان يعالج الإشكال ذاته من زاويته: أن المعرفة التي لا تُقاس بمنطق الواقع وتحولاته تبقى عرضة للخطأ مهما بدت متسقة في ذاتها. وهو نفسه الدرس الذي يعيد نفسه اليوم كلما واجهنا خطابًا سياسيًا يعد بكل شيء لأنه لا ينوي أن يُختبر في شيء.
فإذا كان لا بد من نقد “التنظير”، فليكن النقد موجّهًا إلى غيابه عن الفعل، لا إلى وجوده في الفكر.
فالأخطر على العمل العام ليس من يفكر طويلًا قبل أن يتحرك، بل من يتحرك بلا فكرة أصلًا، ومن يتحرك بفكرة سطحية فيكرر الأخطاء ذاتها بثقة متجددة.
والأخطر أيضًا أن نُصادر حق أي مواطن أو مسؤول في التفكير بصوت مرتفع، بذريعة أن الوقت للعمل لا للكلام، وكأن العمل بلا تفكير سابق فضيلة، بينما هو في الحقيقة أقرب إلى المقامرة.
يبقى السؤال الأخير: هل نحن، حين نستخف بـ”المنظرين”، نستخف حقًا بالتجريد الفارغ، أم نتهرب، دون أن ندري، من مواجهة الأفكار التي تُحرجنا لأننا لا نملك ردًا عليها سوى وصفها بأنها “مجرد نظرية”؟
الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تكون أول خطوة نحو عمل عام أكثر جدية، وخطاب سياسي أقل خوفًا من الفكرة ذاتها.
لا يجب أن نضع كل من يفكر ويُنظر في قفص الإتهام، بل من عليه التنفيذ والتطبيق هو من يجب أن يوضع هناك.
وإذا ارتقي المنظر الي وضع خطط وسياسات التطبيق، وهو ليس في كرسي للحكم، فشكرًا له، وسخطًا علي من يوافق ولا يطبق..
طرح أخير……أليس الدستور تنظيرا لما يجب أن تلتزم به الحكومات….. يتم التصويت عليه من الشعب……إذن لو تواجد الدستور، الا يجب علي الحكومات وضع السياسات لتطبيقه، إلا يجب على البرلمان والإعلام محاسبة السلطة التنفيذية علي تحقيق أهدافه..؟؟؟
من الملوم، من وضع الدستور، الذي خرجت منه الرؤي المعلنه أم من أخفق في التطبيق.





