بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: الانتماء لا يُدرس بل يُعاش.. لماذا نبدأ إصلاح التعليم من جديد كل عشر سنوات؟

عندما شاركت مع سبعين من المثقفين والمفكرين والخبراء التربويين في صياغة رؤية مصر للتعليم 2030 عام 2014، لم نكن نبدأ من فراغ. فقد سبقت ذلك تجربة عميقة عشتها عام 2002، حين كنت رئيسًا للجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس الشعب، وخرجنا من سلسلة من اللقاءات والحوارات المجتمعية برؤية لمستقبل التعليم في مصر، تُرجمت إلى تسع وعشرين سياسة تعليمية، ومجموعة من المشروعات والمبادرات التي تستهدف تحويل الرؤية إلى واقع.

وقد حرصت على توثيق كل ذلك، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن ما لا يُوثَّق لا يوجد، وأن أثر الأفكار في المجتمعات تراكمي، حتى عندما لا تجد طريقها إلى التطبيق في وقتها. فالفكرة التي لا تتحول اليوم إلى سياسة قد تصبح غدًا أساسًا لإصلاح، والرؤية التي يتجاهلها جيل قد يستعيدها جيل آخر.

لكنني، وأنا أراجع وثائقي وأعمل على رقمنتها، وأقارن بين ما اقترحناه وما تحقق بالفعل، وجدت نفسي أمام حقيقة مؤلمة: نحن لا نسير دائمًا في خط متصل نحو المستقبل، بل نتحرك أحيانًا في دوائر، نعود فيها إلى نقطة البداية كل بضع سنوات، ونعلن اكتشاف ما اكتشفناه من قبل، ونبدأ من جديد ما بدأناه منذ عقود.

كأن ذاكرتنا المؤسسية قصيرة، وكأن كل مسؤول جديد مطالب بأن يبدأ التاريخ من يوم توليه المسؤولية، لا من حيث انتهى الذين سبقوه.

وهنا أدركت أن أزمة التعليم ليست دائمًا في غياب الرؤية، بل في غياب الاستمرارية، وفي المسافة بين المعرفة والتنفيذ، وبين ما نعلنه وما نمارسه.

وخلال هذه المراجعة، وجدت أن أصعب ما كنا ننادي به لم يكن بناء المدارس، ولا تطوير المناهج، ولا إدخال التكنولوجيا، على أهمية كل ذلك، وإنما كان في قضيتين أساسيتين:

الأولى هي المعلم، الذي ينبغي أن تُبنى حوله المنظومة التعليمية كلها، لا أن يكون مجرد منفذ لتعليمات تأتيه من خارج الفصل.

والثانية هي بناء عقل الطفل ووجدانه وشخصيته، منذ دخوله المدرسة وحتى تخرجه في الجامعة.

وسأترك قضية المعلم لمقال مستقل، رغم أنها تتداخل مع كل ما سأقوله هنا، وأركز على القضية الثانية، التي أراها اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

كيف نصنع إنسانًا ينتمي إلى وطنه؟

إذا كنا نريد أن يخرج من مدارسنا وجامعاتنا شباب يفخرون بتاريخ بلادهم، ويحترمون حاضرها، ويملكون الأمل والرغبة والقدرة على بناء مستقبلها، فعلينا أن نتوقف عن الاعتقاد بأن ذلك يتحقق بدرس في التربية الوطنية، أو بخطاب في طابور الصباح، أو بحفظ مجموعة من الشعارات ثم الإجابة عنها في الامتحان.

الانتماء ليس معلومة تُحفَظ، ولا إجابة نموذجية تُكتَب في ورقة امتحان.

الانتماء شعور يتكون، وقيمة تُمارَس، وعلاقة ثقة تنمو بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، والمؤسسات التي يتعامل معها، والناس الذين يشاركونه الحياة.

لا نستطيع أن نطلب من الطفل احترام القانون بينما يرى الكبار يخالفونه، ولا أن نعلمه قيمة العدالة إذا كان يشعر بالتمييز داخل مدرسته، ولا أن نطالبه بحرية التفكير ثم نعاقبه إذا اختلف مع معلمه، ولا أن نحدثه عن الكرامة بينما يتعرض للإهانة.

كيف نزرع في وجدان الطفل حب الوطن إذا لم يشعر في مدرسته بأنه محترم، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدر، وأن حقه محفوظ؟

إن المدرسة ليست فقط مكانًا لتلقي المعرفة، بل هي أول نموذج مصغر للدولة يعيشه الطفل خارج أسرته.

فيها يتعلم، دون أن يدري، معنى السلطة والعدل، والحرية والمسؤولية، والاختلاف والتعاون، والمساواة والتمييز.

والطفل لا يتعلم هذه المعاني مما نقوله عنها، بل مما نفعله أمامه.

المنهج الخفي الذي يصنع الشخصية

في علوم التربية، مفهوم مهم يسمى «المنهج الخفي»، وهو ما يتعلمه الطالب من ثقافة المدرسة وعلاقاتها وسلوك العاملين فيها، دون أن يكون مكتوبًا في كتاب دراسي.

فالطالب الذي يرى معلمه يحترم الاختلاف يتعلم التسامح. والذي يشارك في اتخاذ قرار يخص فصله يتعلم الديمقراطية. والذي يمارس الرياضة ويتقبل الهزيمة يتعلم احترام القواعد والمنافسة الشريفة. والذي يقف على خشبة المسرح يتعلم التعبير عن نفسه والثقة بقدراته. والذي يعزف الموسيقى مع زملائه يتعلم الإصغاء والانسجام والعمل الجماعي.

والذي يشارك في خدمة مجتمعه يتعلم أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل بشر نتحمل معهم مسؤولية الحياة.

هذه ليست أنشطة إضافية يمكن الاستغناء عنها إذا ضاق الوقت أو ازدحمت المناهج. إنها في جوهرها أدوات بناء الإنسان.

الفن ليس ترفًا، والرياضة ليست فسحة، والموسيقى ليست نشاطًا هامشيًا، والعمل التطوعي ليس مناسبة لالتقاط الصور.

إنها وسائل تربوية لصناعة التوازن النفسي، والذكاء الاجتماعي، والقدرة على التعاون، واحترام الآخر، والإحساس بالجمال والمسؤولية.

وأخشى أن نكون قد اختزلنا التعليم في التحصيل، والتحصيل في الامتحان، والامتحان في الدرجة، والدرجة في شهادة، ثم تساءلنا بعد ذلك: لماذا لا يمتلك بعض خريجينا المهارات والقيم التي يحتاجها المجتمع؟

لا تربية بلا وقت ولا معايشة

من هنا أعود إلى مطلب قديم لم يتغير في قناعتي: لا يمكن بناء شخصية الطالب إذا لم تكن المدرسة مكانًا يعيش فيه جزءًا معتبرًا من يومه.

نحتاج إلى حضور فعلي لا يقل عن 180 يومًا دراسيًا في العام، ويوم مدرسي يمتد إلى ست ساعات على الأقل، تُوزَّع بين التعلم الأكاديمي، والرياضة، والفنون، والثقافة، والحوار، والعمل الجماعي، والأنشطة المجتمعية.

ولا أقصد أن نجلس الأطفال ست ساعات أمام السبورة، بل أن نجعل المدرسة بيئة حياة، يتعلمون فيها بقدر ما يمارسون، ويكتشفون بقدر ما يحفظون، ويتفاعلون بقدر ما يستمعون.

ولا يكفي أن نكتب هذه الساعات في اللوائح؛ فالعبرة ليست بعدد الساعات المعلنة، بل بجودة ما يحدث داخلها.

إن الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية، وتراجع الحضور المدرسي، وتحول المدرسة في بعض الأحيان إلى محطة إدارية للحصول على شهادة، كلها ظواهر لا تحرم الطالب من المعرفة بالضرورة، لكنها تحرمه من شيء ربما يكون أكثر أهمية: التجربة الاجتماعية والتربوية التي تصنع شخصيته.

فالمدرسة التي يغيب عنها طلابها لا تستطيع أن تبني وجدانهم، مهما كانت مناهجها جيدة.

من المدرسة إلى المجتمع… من المسؤول عن الوجدان؟

لكن المدرسة وحدها لا تستطيع أن تنجز هذه المهمة.

فالطفل الذي يتعلم داخل الفصل احترام المرأة، ثم يرى إهانتها في بعض الأعمال الدرامية، أو يتعلم قيمة العمل ثم يشاهد تمجيد الثراء بلا جهد، أو يتعلم قبول الاختلاف ثم يتعرض يوميًا لخطاب الكراهية والسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، يعيش تناقضًا تربويًا لا يمكن تجاهله.

نحن بحاجة إلى نسيج متصل بين المدرسة والأسرة والإعلام والسينما والمسرح والمؤسسات الثقافية والرياضية، بل وبين ما تقوله الدولة وما يراه المواطن في حياته اليومية.

ولست أدعو إلى فرض خطاب واحد على الجميع، ولا إلى توجيه الفن والإعلام بقرارات إدارية، وإنما إلى إدراك المسؤولية المشتركة عن تشكيل الوعي العام، وإلى خلق مساحة تتلاقى فيها حرية الإبداع مع القيم الإنسانية التي نريد ترسيخها.

فالانتماء الحقيقي لا ينشأ من التلقين، ولا من إخفاء العيوب، ولا من تصوير الوطن باعتباره مكانًا بلا أخطاء.

على العكس، نحن نريد شابًا يحب بلاده بما يكفي لكي يرى مشكلاتها، ويملك الشجاعة للمشاركة في حلها.

نريد مواطنًا يعتز بتاريخ مصر دون أن يسكن الماضي، ويحترم حاضرها دون أن يتجاهل نقائصه، ويحلم بمستقبلها دون أن ينتظر أن يصنعه له الآخرون.

وهنا تصبح المصداقية أساس التربية الوطنية.

فلا يمكن أن نطلب من الشباب الثقة في المستقبل إذا لم يجدوا أمامهم مسارات عادلة للفرص، ولا أن نطالبهم بالمشاركة إذا لم نتيح لهم مساحات حقيقية للتعبير، ولا أن نزرع فيهم المسؤولية إذا لم نسمح لهم بممارستها.

هل نملك شجاعة الاستمرار؟

بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا من تجربتي البرلمانية في صياغة سياسات التعليم، وأكثر من عشر سنوات على مشاركتي في رؤية مصر 2030، أشعر أن المشكلة الكبرى لم تكن في نقص الأفكار أو غياب الخبراء.

لقد كانت لدينا رؤى، وسياسات، ومبادرات، وخبرات مصرية قادرة على الإنجاز.

لكن الإصلاح لا يتحقق بمجرد صدور وثيقة، ولا يبدأ من الصفر مع كل تغيير إداري، ولا يُقاس بعدد المشروعات التي نعلنها، وإنما بما يستمر منها، وما ينعكس على حياة الإنسان وسلوكه.

ولهذا فإن رقمنة الوثائق ومراجعة ما تحقق منها ليست مجرد محاولة لحفظ التاريخ، بل هي مساءلة للمستقبل: ماذا عرفنا؟ ماذا فعلنا؟ لماذا تعثرنا؟ وكيف نمنع تكرار الأخطاء نفسها؟

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس أن تخطئ، بل أن تفقد ذاكرتها، فتكرر أخطاءها وهي تظن أنها تخوض تجربة جديدة.

وأعود إلى السؤال الذي بدأت منه:

هل نريد مدرسة تُخرّج طالبًا ناجحًا في الامتحان، أم مؤسسة تُسهم في صناعة إنسان ناجح في الحياة، قادر على التفكير والإبداع، يحترم نفسه والآخرين، ويشعر بمسؤوليته تجاه وطنه؟

لا تعارض بين الهدفين، لكن الخلل يبدأ عندما نحقق الأول على حساب الثاني.

إن بناء الوجدان لا ينتظر قرارًا وزاريًا، ولا يحتاج إلى شعار جديد، بل إلى إرادة مستمرة، وممارسات يومية، وقدوة صادقة، ومدرسة وجامعة تعيشان القيم التي تعلنانها.

وأمامنا عمل كبير، تزداد صعوبته كلما تأخرنا في البدء.

فالأوطان لا يبنيها الذين يحفظون معنى الانتماء، بل الذين يمارسونه.

وإذا كنا نريد أن يتعلم أبناؤنا حب مصر، فعلينا أن نجعلهم يعيشون كل يوم تجربة تجعل مصر جديرة بهذا الحب، وتجعلهم يشعرون بأنهم شركاء في صنع مستقبلها.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى