
كلما تقدم العلم، ازداد اقتناعي بأن أكثر الأسئلة تعقيدًا ليست علمية، بل فلسفية.
فالعلم يجيب عن سؤال: كيف؟
أما الفلسفة فتسأل: لماذا؟
وبين السؤالين تقف الأخلاق، محاولةً أن تجيب عن سؤال ثالث: كيف ينبغي أن نعيش؟
ولعل من أكثر القضايا التي كشفت هذا التداخل، ذلك الاكتشاف المتزايد بأن الإنسان لا يبدأ حياته صفحةً بيضاء، كما كنا نظن. إنه يولد حاملًا تاريخًا طويلًا مكتوبًا داخل كل خلية من خلاياه؛ ليس تاريخ أسرته فقط، بل تاريخ ملايين السنين من التطور البيولوجي. يولد بجينات لا تحدد لون عينيه وطول قامته فحسب، بل قد تؤثر أيضًا في سرعة انفعاله، وقابليته للقلق، واستجابته للخوف، ودرجة اندفاعه، بل وحتى بعض ميوله السلوكية.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يخص عالم الوراثة وحده، بل يخص كل إنسان:
إذا كانت بعض ميولنا تسبق وعينا بها، فما الذي يجعلنا مسؤولين أخلاقيًا عن أفعالنا؟
هذا السؤال لا يتعلق بالمثلية الجنسية وحدها، ولا بالعنف، ولا بالإدمان، ولا بأي سلوك بعينه. إنه سؤال يمس جوهر معنى الإنسان.
عبر التاريخ، اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان باعتباره صاحب إرادة حرة كاملة، وأن نحاسبه على أفعاله باعتبارها اختيارات مستقلة. لكن العلم بدأ يكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا.
فقد يحمل شخص استعدادًا وراثيًا أعلى للاندفاع، أو قابلية أكبر للاكتئاب، أو حساسية عصبية تجعله أكثر عرضة للإدمان، أو ميولًا نفسية لم يختر وجودها.
وهنا يظهر إغراء فكري خطير.فإذا كانت الجينات تؤثر في السلوك…فهل تصبح الجينات عذرًا؟
وهل يتحول العلم من تفسير للسلوك إلى تبرير له؟
الإجابة، في رأيي، لا.
لأن هناك فرقًا جوهريًا بين التفسير والتبرير.أن نفهم لماذا يحدث شيء، لا يعني أننا أصدرنا حكمًا أخلاقيًا عليه.فالطبيب يفسر المرض، لكنه لا يمنحه قيمة أخلاقية.وعالم الوراثة يفسر الميل، لكنه لا يحكم على الفعل.
وهنا وقفت طويلًا أمام نهاية سورة البقرة، لا باعتبارها تفسيرًا علميًا، فالقرآن ليس كتابًا في البيولوجيا، ولكن باعتبارها نصًا يطرح تصورًا بالغ العمق للمسؤولية الإنسانية.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
هذه الآية كثيرًا ما تُقرأ باعتبارها دعوة إلى الطمأنينة، لكنني أراها أيضًا تحمل تصورًا فلسفيًا بالغ الدقة عن العلاقة بين القدرة والمسؤولية.
فالآية لا تبدأ بالحساب بل تبدأ بالوسع وكأن التكليف نفسه مرتبط بما يستطيع الإنسان احتماله.
لكن…ما هو “الوسع”؟هل هو القوة الجسدية فقط؟أم يشمل التكوين العصبي؟والقدرة النفسية؟
والاستعدادات الفطرية؟ والظروف التي لم يخترها الإنسان؟ لا أزعم أن الآية تقول ذلك صراحة.
لكنها تفتح باب السؤال.
واليوم، بعد أن أصبحنا نعرف أن البشر لا يولدون بدرجات متساوية من الحساسية أو الاندفاع أو مقاومة الإغراء، يبدو سؤال “الوسع” أكثر عمقًا مما كان عليه قبل قرون.
ثم تأتي العبارة التالية:﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ولعل الفرق بين الفعلين يستحق التأمل.
فالإنسان لا يُحاسب على ما وُلد به بل على ما إكتسبه كأن هناك تمييزًا خفيًا بين المعطى والمكتسب.
بين ما جاء مع الإنسان إلى الحياة…وما صنعه الإنسان داخل حياته.
نحن لا نختار جيناتنا ولا نختار آباءنا ولا أوطاننا ولا كثيرًا من طباعنا الأولى لكننا، مع الزمن، نختار كيف نتعامل مع كل ذلك وربما تبدأ الأخلاق من هنا.
ثم يعلّمنا القرآن أن ندعو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وكأن النص نفسه يفرق بين القصد والخطأ وبين الإرادة الكاملة، وحدود الطبيعة البشرية.
ثم يكمل: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إنها عبارة تستوقفني دائمًا فالطاقة نفسها تصبح جزءًا من معادلة المسؤولية ليست كل النفوس سواء وليست كل القدرات سواء وليست كل المعارك الداخلية متشابهة وربما لهذا كان العدل الإلهي أعمق من العدالة البشرية.
فالقانون يحاكم الفعل أما الله، فهو وحده الذي يعلم مساحة الصراع الذي سبق الفعل.
انني أرى أن العلم والدين لا يتعارضان كما نتصور العلم يقول:“هذه هي طبيعة الإنسان.”
أما الدين فيسأل:“وماذا ستفعل بهذه الطبيعة؟”العلم يفسر الإمكانات والأخلاق توجه الاختيارات والدين يمنح الاختيار معنى ولا يستطيع أي واحد منها أن يلغي الآخر.
أخشى أحيانًا أن نقع في أحد تطرفين إما أن نحول الإنسان إلى آلة بيولوجية لا تملك إلا أن تنفذ ما كتبته الجينات أو نحوله إلى كائن حر حرية مطلقة، كأنه لم يولد يومًا بجسد، ولا بتاريخ، ولا بتركيب عصبي، ولا بظروف والحقيقة، كما هي العادة، أكثر تواضعًا وأكثر تعقيدًا.
فالإنسان ليس سجين جيناته وليس متحررًا منها تمامًا ..إنه يعيش في المسافة بين الاثنين وفي تلك المسافة تحديدًا تولد الأخلاق وربما لهذا لا أرى السؤال الحقيقي هو:
هل الإنسان حر؟
بل: كم تبلغ مساحة الحرية التي يمتلكها كل إنسان داخل حدود ما وُلد به؟
فقد لا يكون العدل الإلهي قائمًا على مساواة البشر في قدراتهم، بل على مساواتهم في المسؤولية داخل حدود تلك القدرات وهذا تصور، إن صح، يفتح أمامنا بابًا جديدًا لفهم التكليف، وفهم الرحمة، وفهم العدالة.
الحكمة، هي أن ندرك أن الله لم يخلقنا نسخًا متطابقة، ولم يكلفنا تكليفًا أعمى.
لقد منح كل واحد منا إمكاناته، ثم ترك له مساحة ليصنع بها نفسه.
ربما لا يكون العدل الإلهي قائمًا على مساواة البشر في قدراتهم، بل على أن يُحاسَب كل إنسان بما يتناسب مع ما أُعطي من قدرة، وما بلغه من وعي، وما امتلكه من حرية داخل ظروفه الخاصة.
القاضي لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه لا يرى إلا الفعل.
أما الله…فيرى الجين والطفولة والخوف والنية والمقاومة والإغراءوعدد المرات التي قاوم فيها الإنسان نفسه وهذا يجعل الحساب الإلهي مختلفًا جذريًا عن أي عدالة بشرية.




