بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: حين تدخل السياسة إلى معمل العظماء.. من يملك قرار العلم؟

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العاشر من أغسطس 2026 أمرًا تنفيذيًا أحدث ضجة واسعة في الأوساط الطبية والعلمية الأمريكية، يعيد رسم السياسة الفيدرالية لتطعيم الأطفال، ويقلص قائمة الأمراض التي توصي الحكومة بتطعيم جميع الأطفال ضدها إلى أحد عشر مرضًا، ويدعو إلى إعادة النظر في توقيت بعض الجرعات وطريقة إعطائها، بل وإلى فصل اللقاح الثلاثي الشهير MMR إلى لقاحات منفصلة للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية. (The White House)

وقد بررت الإدارة الأمريكية قرارها بأنها تريد ما أطلقت عليه Gold Standard Childhood Vaccine Recommendations، وأنها تسعى إلى الاقتراب من برامج التطعيم في بعض الدول المتقدمة. (The White House)

للوهلة الأولى يبدو الأمر قضية طبية متخصصة: كم لقاحًا يحتاج الطفل؟ ومتى يحصل عليه؟ وهل الأفضل إعطاء ثلاثة لقاحات معًا أم متفرقة؟

لكنني كطبيب قبل أن أكون مهتمًا بالشأن العام، وجدت نفسي أمام سؤال أكبر بكثير:

متى يصبح القرار العلمي قرارًا سياسيًا؟ ومن ينبغي أن تكون له الكلمة الأخيرة عندما تتقاطع صحة الإنسان مع سلطة الدولة والاقتصاد ومصالح الشركات والرأي العام؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية.

هل يحق لنا مراجعة اللقاحات؟

بالطبع.

العلم ليس دينًا جديدًا، والعلماء ليسوا كهنة، ولا توجد توصية طبية ينبغي أن تُحصّن ضد المراجعة.

بل إن جوهر المنهج العلمي هو الشك.

كل دواء يمكن إعادة تقييمه، وكل لقاح يمكن إعادة دراسة ضرورته وتوقيته وآثاره الجانبية، وكل بروتوكول طبي قابل للتعديل عندما تظهر معرفة جديدة.

لذلك فإن السؤال: «هل يحتاج الطفل فعلًا إلى كل هذه التطعيمات؟» ليس سؤالًا معاديًا للعلم.

وكذلك السؤال عن إعطاء عدة لقاحات في زيارة واحدة، أو الفواصل الزمنية بينها، أو اختلاف برامج التطعيم بين الولايات المتحدة وأوروبا، كلها أسئلة مشروعة.

ولكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن يشك العالِم لكي يبحث، وأن يشك السياسي لكي يقرر.

الأول يبدأ بالسؤال ثم يبحث عن الدليل.

أما الثاني فقد يبدأ أحيانًا بالنتيجة التي يريدها، ثم يبحث عما يؤيدها.

وهنا يصبح الأمر خطيرًا.

من يضع جدول التطعيم؟

برنامج التطعيم ليس قائمة وضعتها شركة أدوية ثم أقنعت الحكومة بشرائها.

إنه في الأصل نتيجة عملية طويلة تتداخل فيها علوم المناعة والوبائيات وطب الأطفال والإحصاء والصحة العامة واقتصاديات الصحة.

نسأل عن انتشار المرض، واحتمالات الإصابة، وخطورة المضاعفات، وفاعلية اللقاح، وآثاره الجانبية، ومدة الحماية، وتكلفة المرض على المجتمع، ثم نوازن بين المنفعة والمخاطر.

ولهذا اعترضت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال على قرار ترامب، معتبرة أن التغييرات لا تستند إلى أدلة علمية جديدة تبرر هذا التحول الكبير. (American Academy of Pediatrics)

كما دافعت منظمة الصحة العالمية عن مبدأ أن جداول التطعيم يجب أن تستند إلى الأدلة وإلى الظروف الوبائية لكل دولة، لا إلى مجرد مقارنة عدد اللقاحات بين دولة وأخرى. (Reuters)

وهنا أرى المسألة بصورة مختلفة قليلًا:

المشكلة ليست أن ترامب سأل السؤال، بل في الطريقة التي انتقل بها السؤال إلى قرار سياسي.

ثم يأتي المال

لكن هناك في الخلفية سؤال لا يجوز تجاهله:

أين المصالح الاقتصادية من كل هذا؟

صناعة اللقاحات ليست نشاطًا خيريًا. إنها سوق عالمية ضخمة تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، وتسيطر أمريكا الشمالية على جزء كبير منها. (Grand View Research)

والحكومة الأمريكية نفسها مشترٍ بالغ الأهمية للقاحات الأطفال من خلال برنامج Vaccines for Children – VFC، الذي يوفر اللقاحات للأطفال الذين قد تعجز أسرهم عن تحمل تكلفتها. (CDC)

إذن هناك شركات تصنع وتبيع، وحكومة تشتري، وأطباء ومستشفيات يعطون اللقاحات، وشركات تأمين تدفع، وهيئات حكومية تقرر ما الذي يدخل جدول التطعيم.

ومن السذاجة أن نقول إن المال لا وجود له في هذه المنظومة.

ولكن من السذاجة أيضًا أن نقفز من وجود المال إلى استنتاج أن التوصيات العلمية صُنعت فقط لكي تربح شركات الدواء.

فالاقتصاد يسير في الاتجاه الآخر أيضًا.

الأمراض تكلف المجتمع أموالًا هائلة.

وقد قدّرت دراسة منشورة بواسطة CDC أن التطعيم الروتيني للأطفال المولودين في الولايات المتحدة بين 1994 و2023 سيمنع على مدى حياتهم نحو 508 ملايين حالة مرض و32 مليون دخول إلى المستشفيات وأكثر من مليون وفاة، مع توفير يقدر بنحو 540 مليار دولار من التكاليف المباشرة و2.7 تريليون دولار من التكاليف المجتمعية. (CDC)

وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا.

شركة الدواء تربح من اللقاح، نعم.

لكن المستشفى قد يربح من المرض.

وشركات التأمين تريد تقليل الإنفاق.

والدولة تريد تقليل تكلفة المرض.

وشركات الأدوية تريد سوقًا أكبر.

والمواطن يريد الحماية بأقل مخاطرة.

والسياسي يريد، فوق كل ذلك، رضا الناخب.

فأي «مصلحة اقتصادية» نتحدث عنها؟

ليست هناك يد واحدة تحرك الجميع، بل شبكة من المصالح المتقاطعة والمتعارضة.

وهنا تكمن خطورة نظرية المؤامرة

من السهل أن نقول:

Big Pharma تريد تطعيم أطفالنا لكي تربح.

الجملة جذابة، لأنها بسيطة.

لكن الحقيقة عادة أكثر تعقيدًا.

نعم، يجب أن نطالب بالكشف عن تمويل الدراسات، وعن علاقات الباحثين بالشركات، وعن تضارب المصالح داخل اللجان الاستشارية، وعن أسعار اللقاحات وهوامش الربح وبراءات الاختراع.

هذه ليست نظرية مؤامرة، بل قواعد أساسية للنزاهة العلمية.

لكن وجود تضارب محتمل في المصالح لا يُبطل الدراسة تلقائيًا، تمامًا كما أن عدم وجود مصلحة مالية لا يجعل رأيًا سياسيًا صحيحًا علميًا.

الدليل يُواجَه بالدليل، لا بالنوايا.

ترامب ليس المشكلة الوحيدة

وسيكون من الخطأ اختزال القضية كلها في شخصية دونالد ترامب.

فالتدخل السياسي في العلم ليس اختراعًا أمريكيًا، ولا هو حكر على اليمين أو اليسار.

عبر التاريخ حاولت السلطة السياسية أحيانًا تطويع المعرفة لخدمة الأيديولوجيا.

وفي المقابل، أخطأت المؤسسات العلمية نفسها في أوقات أخرى، وتأخرت في الاعتراف بأخطائها، وتأثرت أحيانًا بالتمويل والمصالح والسلطة الأكاديمية.

وهنا تظهر المفارقة:

نحن نحتاج إلى استقلال العلم عن السياسة، ولكننا نحتاج أيضًا إلى رقابة المجتمع على المؤسسات العلمية.

فمن يمول الأبحاث؟

ومن يختار أعضاء اللجان؟

ومن يحدد الأولويات البحثية؟

ومن يمتلك براءات الاختراع؟

ومن يقرر سعر الدواء؟

ومن يراقب تضارب المصالح؟

هذه أسئلة سياسية واقتصادية مشروعة تمامًا.

لكن الإجابة عنها لا تكون بأن يجلس السياسي مكان العالِم.

ومن يملك الحقيقة؟

ربما تكون أزمة عصرنا الحقيقية أعمق من اللقاحات.

إنها أزمة الثقة.

قطاع من المواطنين لم يعد يثق بالحكومة.

وقطاع آخر لا يثق بشركات الدواء.

وآخرون لا يثقون بالإعلام.

والآن بدأ الشك يمتد إلى الجامعات والمؤسسات الطبية والمجلات العلمية نفسها.

وعندما تنهار الثقة في المؤسسات التي تنتج المعرفة، يصبح الرأي مساويًا للبحث، والانطباع مساويًا للإحصاء، وعدد المتابعين على وسائل التواصل مساويًا لسنوات من الدراسة.

وهنا يصبح المجتمع في خطر.

ليس لأن العلماء لا يخطئون.

بل لأننا نفقد المنهج الذي يسمح لنا باكتشاف الخطأ وتصحيحه.

بين سلطة العلم وسلطة الديمقراطية

ومع ذلك، هناك سؤال فلسفي لا أستطيع تجاهله:

إذا قال العلماء إن شيئًا ما هو الأفضل للصحة العامة، فهل يحق للدولة فرضه على الإنسان؟

العلم يستطيع أن يقول لنا إن اللقاح يقلل احتمال المرض بنسبة معينة، وإن مخاطره تقع في حدود معينة.

لكنه لا يستطيع وحده الإجابة عن سؤال:

إلى أي مدى يجوز للدولة أن تفرض هذا الخطر الصغير على الفرد من أجل منفعة المجتمع الأكبر؟

هذا سؤال أخلاقي وسياسي.

وهنا يجب أن يلتقي العلم بالديمقراطية، لا أن يبتلع أحدهما الآخر.

العالِم يقدم أفضل معرفة متاحة.

والسياسي يوازن بين الحقوق والمصلحة العامة.

والقضاء يحمي الحدود الدستورية.

والإعلام يسأل.

والمواطن يملك الحق في المعرفة.

لكن الخطوط يجب ألا تختلط.

فلا يصبح السياسي عالِم مناعة، ولا تصبح شركة الدواء مشرّعًا، ولا يصبح الطبيب مندوب مبيعات، ولا يتحول المواطن إلى عالم أوبئة لأنه شاهد مقطع فيديو على هاتفه.

ما الذي علّمني إياه قرار ترامب؟

ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان جدول ترامب الجديد أفضل أو أسوأ.

فالزمن والدراسات والنتائج الوبائية ستسمح بالحكم على ذلك.

السؤال الذي يقلقني أكثر هو:

كيف نضمن أن القرار الذي يتعلق بجسد الإنسان يصدر عن المعرفة لا عن الأيديولوجيا، وعن الدليل لا عن المال، وعن البحث لا عن الشعبوية؟

وفي الوقت نفسه:

كيف نضمن ألا تختبئ المصالح الاقتصادية خلف المعطف الأبيض وشعار «العلم»؟

لا أريد علمًا تحكمه السياسة.

ولا أريد سياسة تستسلم دون سؤال لما تقوله الشركات والمؤسسات العلمية.

أريد علمًا مستقلًا وشفافًا، يقبل الشك والمراجعة، ويعلن تضارب المصالح، وينشر بياناته، ويعترف بأخطائه.

وأريد سياسيًا يحترم حدود معرفته.

فالسياسة من حقها أن تسأل العلماء ألف سؤال.

لكنها لا ينبغي أن تختار الإجابة قبل أن تسألهم.

ولعل الدرس الأكبر من قضية لقاحات ترامب ليس متعلقًا باللقاحات أصلًا.

إنه متعلق بالطريقة التي ستُدار بها المعرفة في القرن الحادي والعشرين.

فحين تدخل السياسة إلى معمل العلماء، وحين يدخل المال إلى كليهما، لا يكون المطلوب أن نطرد السياسة أو المال أو حتى الشك.

المطلوب شيء أصعب:

أن نبني مؤسسات تجعل الحقيقة أقوى من مصالح الجميع.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى