كتبتُ قصة قصيرة بعنوان «جينات الشر»، ثم قرأت بعدها رواية «ألوان الشر: أحمر» للكاتبة البولندية مالجورزاتا أوليفيا سوبتشاك، فشعرت أن ما تخيلته وما قرأته يلتقيان في سؤال واحد، وأن القصة والرواية، على اختلاف أحداثهما، تنظران إلى الشر من نافذتين متقابلتين.
في قصتي، تخيلت أبًا يعمل بالقانون، ويمضي حياته في اتهام المجرمين والمطالبة بعقابهم، ثم يجد نفسه فجأة في الجهة الأخرى من قاعة العدالة: أبًا لفتى في السابعة عشرة متهم بقتل زميله بطعنة واحدة أمام عشرات الشهود.
أما في «ألوان الشر: أحمر»، فنحن أمام جريمة قتل وحشية لفتاة شابة يُعثر على جثمانها فوق أحد شواطئ بولندا، لتقود الجريمة المحققين إلى عالم متشابك من العنف والاستغلال والمال والنفوذ والصمت.
في قصتي، يذهب البحث إلى داخل الجسد: إلى الجينات، وكيمياء المخ، والاستعداد الوراثي للاندفاع والغضب.
وفي الرواية، يذهب البحث إلى خارج الجسد: إلى الأسرة والمجتمع والمؤسسات والعلاقات التي قد تحمي الإنسان، أو تتركه فريسة للعنف.
لكن السؤال في العملين واحد:
من أين يأتي الشر؟
هل يولد داخل الإنسان، مكتوبًا جزئيًا في خلاياه؟ أم يتكون خارجه، في البيئة التي تربيه والضغوط التي تحاصره؟ هل يصنع المجرم جريمته بإرادة حرة، أم أن الجريمة هي اللحظة الأخيرة في سلسلة طويلة من الأسباب التي لم يختر معظمها؟
وهل يكفي أن نعرف مَن أمسك بالسكين، أم ينبغي أن نبحث أيضًا عمّن صنع الغضب، ومَن غذّاه، ومَن تستر عليه، ومَن رأى الخطر ثم اختار الصمت؟
بدا لي أن «ألوان الشر» هو العنوان الذي يجمع العملين. فالشر ليس أسود دائمًا، ولا يأتي في صورة وحش نستطيع التعرف إليه بسهولة. قد يكون أحمر بلون الدم والغضب، أو رماديًا بلون الصمت والتردد، أو أبيض يرتدي ثياب البراءة والاحترام، أو ذهبيًا تحميه الثروة والنفوذ. وقد يكون خفيًا بلا لون، كامنًا في استعداد بيولوجي لا يصنع الجريمة وحده، لكنه قد يجعل مقاومة الاندفاع أصعب على بعض الناس من غيرهم.
لهذا وضعت ما تخيلته في «جينات الشر» إلى جوار ما قرأته في «ألوان الشر»، لا لأبحث عن عذر للمجرم، بل لأفهم المسافة الغامضة بين التفسير والتبرير، وبين الاستعداد والاختيار، وبين العدالة التي تحاسب الإنسان والعلم الذي يحاول فهمه.
الحكاية التي تخيلتها
في صباح عادي، كان المستشار يحيى فؤاد يحتسي قهوته السوداء ويقرأ الجريدة، عندما دخلت عليه زوجته، السيدة أفكار الأيوبي، وعلى وجهها انفعال لم يره من قبل.
قالت بصوت مرتجف:
«الشرطة في المنزل يا يحيى».
كانت كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتحويل حياة الأسرة إلى كابوس.
كان ابنهما أشرف، البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، متهمًا بقتل زميله في فناء المدرسة بطعنة واحدة في الصدر. وقعت الجريمة أمام عشرات الشهود، ومع ذلك ظل كل مَن عرف أشرف يردد الجملة نفسها:
«كان هادئًا ولطيفًا… لم يبدُ عنيفًا يومًا».
أمضى يحيى أكثر من عشرين عامًا مدعيًا عامًا، يعرف خلالها كيف تبدو القضية الواضحة، وكيف تُجمع الأدلة، وكيف تتحول الوقائع إلى اتهام، والاتهام إلى حكم.
لكنه وجد نفسه للمرة الأولى في الجهة المقابلة، لا ينظر إلى المتهم من وراء ملف، بل يرى فيه ابنه، وملامحه، وطفولته، وكل السنوات التي عاشها معه.
في الأسابيع الأولى، ظل يردد لنفسه ولزوجته:
«هذا خطأ… ابني لم يفعلها».
لكن الأدلة تراكمت بلا رحمة: كاميرات المراقبة، وبصمات الأصابع، وشهادات الحاضرين، ورسائل كشفت عن مشادة حادة سبقت الجريمة.
ولم يعد السؤال: هل فعل أشرف ذلك؟
بل أصبح: لماذا فعله؟
هنا جاء الفحص الجيني ليزيد الحقيقة غموضًا بدلًا من أن يبددها. فقد كشف عن مجموعة من المتغيرات الوراثية التي قد ترتبط بزيادة الحساسية للاندفاع وضعف التحكم تحت الضغط.
لم تكن هذه الجينات حكمًا بالعدوان، ولم يكن في استطاعتها أن تصنع قاتلًا. لكنها أشارت إلى أن السيطرة التي تبدو يسيرة عند بعض الناس قد تكون معركة داخلية شاقة عند آخرين.
ولطالما شاع في الإعلام تعبير «جين المحارب» عند الحديث عن بعض المتغيرات المرتبطة بجين MAOA، وهو جين يشارك في تنظيم عمل بعض النواقل العصبية في المخ. لكن التسمية نفسها قد تكون مضللة؛ فلا يوجد جين منفرد للشر، ولا يستطيع تحليل وراثي أن يتنبأ بأن طفلًا ما سيصبح مجرمًا.
الجينات تمنح الاستعداد، لا المصير.
وعند هذه النقطة بدأ الأب يحاكم نفسه.
كان والده، جد أشرف، رجلًا عنيفًا. عاش يحيى طفولة مليئة بالضرب والصراخ والخوف، ثم هرب من ذلك البيت وأقسم أن يكون أبًا مختلفًا.
بنى بيتًا هادئًا، وملأه بالحب والانضباط والتوازن. لم يضرب ابنه، ولم يحرمه من حنانه، وحاول أن يغلق أبواب الماضي حتى لا يعبر منها شيء إلى أسرته الجديدة.
ولكن ماذا لو كان بعض الماضي قد عبر من طريق آخر؟
ماذا لو انتقلت إلى الابن استعدادات لم يخترها الأب ولم يعرف أنه يحملها؟ وماذا لو أن الخوف القديم ترك في شخصية الأب وسلوكه آثارًا لم يكن واعيًا بها، فتسللت إلى البيت الهادئ من وراء الكلمات والصمت ونبرة الصوت وطريقة التعبير عن الغضب؟
هل يكفي أن نهرب من الماضي حتى لا نورثه؟
الحكاية التي قرأتها
بعد أن كتبت قصتي، قرأت «ألوان الشر: أحمر»، فوجدت أن سوبتشاك تقترب من السؤال نفسه، ولكن من الاتجاه الآخر.
صدرت الرواية عام 2019، وهي الجزء الأول من سلسلة بوليسية تحمل أجزاؤها أسماء ألوان مختلفة. ثم تحولت عام 2024 إلى فيلم بولندي عرضته نتفليكس، فنقلت قصتها إلى جمهور عالمي.
تبدأ الرواية بالعثور على جثمان فتاة شابة فوق شاطئ في منطقة المدن الثلاث في بولندا. لم تُقتل الفتاة فقط، بل تعرض جسدها لتشويه يعيد إلى الأذهان جريمة قديمة وقعت قبل سنوات طويلة.
هل عاد القاتل نفسه؟
أم أن شخصًا آخر يقلد جريمته؟
أم أن الحقيقة القديمة لم تُكتشف من الأصل، وأن العدالة أغلقت ملفًا بينما بقيت الجريمة مفتوحة في ذاكرة الضحايا؟
يتولى المدعي العام الشاب ليوبولد بيلسكي التحقيق، بينما تدخل والدة الضحية، القاضية هيلينا، في رحلة بحثها الخاصة.
فالمدعي العام يريد أن يعرف مَن قتل الفتاة.
أما الأم فتريد أن تعرف كيف عاشت ابنتها أيامها الأخيرة، وماذا كانت تخفي، ولماذا لم تستطع أن تراها وهي تسير نحو الخطر.
وبين السؤالين تكشف الرواية عالمًا من النفوذ والمال والاستغلال والخوف والصمت. فلا تعود الجريمة فعل قاتل واحد، بل تبدو ثمرة بيئة كاملة سمحت للعنف بأن ينمو، ووفرت له الحماية، وأقنعت كثيرين بأن الصمت أكثر أمانًا من الحقيقة.
وهنا تلتقي الرواية بقصتي.
فبينما تبحث «جينات الشر» عن جذور العنف داخل الإنسان، تبحث «ألوان الشر» عنها في المجتمع. وبينما يسأل الأب عمّا نقله إلى ابنه، تسأل الرواية عمّا نقلته البيئة إلى القاتل والضحية معًا: خوفًا، وإذلالًا، وشعورًا بالعجز أو بالإفلات من العقاب.
وفي الحالتين، لا تقف الجريمة وحدها أمام المحكمة؛ يقف معها تاريخ كامل من الأسباب الصامتة.
هل للشر جينات؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة وخطورة.
هناك دراسات تشير إلى أن بعض الاستعدادات الوراثية قد تؤثر في الاندفاع، أو التحكم في الغضب، أو الاستجابة للخطر والضغط. لكن هذه الدراسات تتحدث عن احتمالات إحصائية داخل مجموعات، ولا تقدم حكمًا أخلاقيًا على فرد بعينه.
ليس كل مَن يحمل استعدادًا وراثيًا للعنف إنسانًا عنيفًا، وليس كل مجرم يحمل الجينات نفسها.
قد يحمل طفل قابلية بيولوجية للاندفاع، ثم ينشأ في بيئة آمنة وداعمة، ويتعلم منذ الصغر إدارة غضبه، فيصبح طبيبًا أو فنانًا أو رياضيًا ناجحًا.
وقد يحمل طفل آخر الاستعداد نفسه، لكنه يتعرض للإهانة والعنف والإهمال، ويعيش في بيئة تكافئ القوة وتحتقر الضعف، فيصبح خطر انفجاره أكبر.
لكن حتى هنا لا تصبح الجريمة محتومة.
هناك فرق كبير بين قولنا:
«الجين سبّب الجريمة».
وقولنا:
«التكوين البيولوجي ربما جعل مقاومة الاندفاع أكثر صعوبة».
القول الأول يحول الإنسان إلى آلة تنفذ أوامر حمضها النووي. أما الثاني فيعترف بأن البشر لا يبدأون جميعًا من النقطة نفسها، وأن ما يكون سهلًا على إنسان قد يحتاج من آخر إلى جهد هائل.
الاستعداد ليس أمرًا بالفعل، والصعوبة ليست استحالة.
التفسير ليس تبريرًا
إذا اكتشفنا أن ورمًا في المخ أثّر في قدرة إنسان على التحكم في سلوكه، فإن هذه المعلومة قد تغير حكمنا الأخلاقي والقانوني. وإذا ثبت أن شخصًا ارتكب فعلًا خلال نوبة ذهانية أفقدته صلته بالواقع، فإننا لا نحاكمه بالطريقة نفسها التي نحاكم بها مَن خطط لجريمته بوعي كامل.
فلماذا نتوقف تمامًا أمام الاستعدادات الجينية أو اضطرابات كيمياء المخ؟
ربما لأننا نخشى أن يؤدي فتح هذا الباب إلى انهيار فكرة المسؤولية كلها. فإذا أصبح كل إنسان قادرًا على القول إن جيناته أو طفولته أو كيمياء دماغه هي التي دفعته، فمن يبقى مسؤولًا عن أي فعل؟
لكن الخوف من إساءة استخدام العلم لا يبرر تجاهله.
المشكلة أننا نصر على إجابة ثنائية: مسؤول أو غير مسؤول، حر أو مسيّر، مذنب أو بريء. بينما الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا.
المسؤولية ليست مفتاحًا كهربائيًا يُفتح أو يُغلق، وإنما درجات تتأثر بالوعي والنية والقدرة على التحكم والمرض والسن والظروف المحيطة بالفعل.
قد تفسر الجينات لماذا كانت السيطرة أصعب، لكنها لا تثبت أنها كانت مستحيلة.
وهذا هو الحد الفاصل بين التفسير والتبرير.
أن نفهم أسباب الجريمة لا يعني أن نقبلها، وأن نرى ضعف قدرة المجرم على التحكم لا يعني أن ننكر حق الضحية. فلا يجوز أن تتحول الرحمة بالجاني إلى ظلم جديد للمجني عليه.
مَن هو المجرم في «ألوان الشر»؟
في الروايات البوليسية التقليدية، ننتظر عادة اللحظة التي ينكشف فيها القاتل، فنشعر أن اللغز قد حُل وأن النظام عاد إلى العالم.
لكن «ألوان الشر» تجعل السؤال أوسع من تحديد اليد التي ارتكبت الجريمة.
فالقتل قد ينفذه شخص واحد، لكن المناخ الذي أتاحه قد يشارك في صنعه كثيرون: مَن استغل، ومَن تستر، ومَن خاف، ومَن اشترى الصمت، ومَن أساء استخدام سلطته، ومَن رأى إنسانًا يسير نحو الخطر ثم قال لنفسه إن الأمر لا يعنيه.
القاتل المباشر مسؤول عن فعلته، لكن القبض عليه لا يعفي المجتمع من فحص البيئة التي جعلت الجريمة ممكنة.
قد نعاقب اليد التي حملت السكين، ونترك المنظومة التي صنعت الغضب والخوف والإفلات من العقاب. وعندئذ نكون قد أغلقنا القضية قانونيًا، لكننا لم نفهمها إنسانيًا.
وهذا ما يفعله القانون أحيانًا: يبحث عن الحلقة الأخيرة في السلسلة لأنه يستطيع محاكمتها، بينما يعجز عن محاكمة السلسلة كلها.
الأب الذي يحاكم نفسه
لم يكن المستشار يحيى يدافع عن براءة ابنه الكاملة، بل عن حقه في ألا يُختزل في أسوأ لحظة عاشها.
كان يرى الجريمة، لكنه كان يرى أيضًا الطفل الذي سبقها. يرى ابنه في قفص الاتهام، ثم يرى نفسه واقفًا خلفه، لا يعرف إن كان محاميًا عنه أم شاهدًا ضده.
هل نقل إلى ابنه شيئًا من خوفه القديم؟ هل تسلل أثر الأب العنيف الذي هرب منه إلى البيت الجديد رغم كل محاولاته أن يكون أبًا مختلفًا؟ هل تكفي النيات الطيبة لمنع انتقال الماضي من جيل إلى آخر؟
نحن لا نورث أبناءنا لون العينين وملامح الوجه فقط. نمنحهم مزيجًا بيولوجيًا معقدًا من الاستعدادات، ثم نضعهم داخل بيئة نصنعها بما نعيه وبما لا نعيه.
قد يهرب الأب من بيت العنف، لكنه يحمل أحيانًا داخله طريقة ذلك البيت في الخوف والصمت وتوقع الخطر. وقد لا يضرب ابنه يومًا، لكنه يورثه قلقًا مكتومًا، أو حساسية مفرطة للإهانة، أو عجزًا عن التعبير عن الغضب قبل أن ينفجر.
وهنا ينبغي أن نفرق بين الذنب والمسؤولية.
الأب لا يذنب لأنه نقل جيناته؛ فهو لم يخترها، ولم يكن قادرًا على انتقاء ما يورثه. لكنه يصبح مسؤولًا أخلاقيًا عن البيئة التي يصنعها، وعن العلامات التي يراها ويتجاهلها، وعن طلب المساعدة عندما يدرك وجود الخطر.
هل نفحص جينات الأطفال؟
ماذا لو أصبحت الفحوص الجينية روتينية لكل مولود؟
قد يبدو الهدف نبيلًا: اكتشاف الاستعدادات مبكرًا، وتوفير الدعم النفسي والتربوي للأطفال الأكثر عرضة للاندفاع أو الإدمان أو الاضطرابات السلوكية.
لكن مَن يضمن ألا يتحول الاحتمال إلى وصمة؟
قد يدخل الطفل المدرسة وفي ملفه عبارة: «مرتفع الخطورة للعنف». يراقبه المعلمون، ويخشاه زملاؤه، وتفسر كل نوبة غضب عادية باعتبارها بداية لجريمة.
وهكذا قد يصنع التصنيف المصير الذي ادعى أنه يتنبأ به.
والأخطر أن تستخدم الحكومات أو شركات التأمين أو جهات العمل هذه البيانات لتقرير مَن يستحق التعليم أو الوظيفة أو التأمين، أو حتى مَن ينبغي له الإنجاب.
عندئذ نعود إلى اليوجينكس؛ أي أوهام «تحسين» الجنس البشري بالتحكم في التكاثر، لا بشعارات العنصرية القديمة الفجة، بل مرتديًا معطف المختبر الأبيض ومتحدثًا بلغة الوقاية وحماية المجتمع.
فالإنسان ليس مجموع درجات الخطر المسجلة في جيناته.
قد تخبرنا الجينات باحتمالات داخل مجموعات كبيرة، لكنها لا تستطيع أن تكتب السيرة الأخلاقية لطفل لم يعش حياته بعد.
عدالة تحاسب وتحمي وتعالج
لا يستطيع القانون التخلي عن المساءلة، فالمجتمع الذي لا يحاسب على القتل يفقد حق أفراده في الأمان.
لكن العقوبة لا ينبغي أن تكون انتقامًا أعمى.
يمكن للعدالة أن تقول للمتهم في الوقت نفسه:
«أنت مسؤول عن الفعل الذي ارتكبته، لكننا نريد أيضًا أن نفهم ما جعلك أكثر عرضة لارتكابه، وأن نعالج ما يمكن علاجه، وأن نحمي المجتمع من تكراره».
هذا لا يلغي السجن في الجرائم الخطيرة، لكنه يغير غايته. فلا يعود مجرد مكان لإيلام الجاني، بل يصبح جزءًا من منظومة تجمع بين الحماية والمساءلة والعلاج وإعادة التأهيل.
كما ينقل اهتمامنا من لحظة العقاب إلى سنوات الوقاية: دعم الأسرة، وعلاج الصدمات، وتعليم الأطفال إدارة الغضب، واكتشاف الاضطرابات النفسية مبكرًا، ومواجهة التنمر والعنف داخل المدارس.
ليس المطلوب أن ننتظر الجريمة ثم نفتش في جينات مرتكبها، بل أن نفهم الإنسان قبل أن يصل إلى لحظة الانفجار.
ما بين الجين والاختيار
لا أعتقد أن الإنسان حر حرية مطلقة؛ فنحن لم نختر جيناتنا، ولا آباءنا، ولا طفولتنا، ولا الطبقة أو البلد أو الزمن الذي ولدنا فيه.
لكنني لا أعتقد أيضًا أننا آلات بيولوجية مغلقة.
نحن نتحرك داخل مساحة بين ما ورثناه وما نستطيع أن نصنعه. تختلف مساحة الاختيار من إنسان إلى آخر، وقد تضيق بالمرض أو الصدمة أو الفقر أو الخوف، لكنها لا تختفي بالضرورة.
الجينات لا تكتب القدر، لكنها قد تجعل بعض الطرق أكثر انحدارًا من غيرها. والتربية لا تصنع الإنسان من العدم، لكنها تستطيع أن توسع مساحة اختياره، وتمنحه الأدوات التي يقاوم بها اندفاعاته.
أما العدالة، فعليها أن تفهم الطريق الذي جاء منه الإنسان، دون أن تنكر الخطوة التي اختارها في نهايته.
ولهذا، حين أسأل: مَن نحاكم… الابن أم الأب؟ أجد أن السؤال ربما وُضع بطريقة غير صحيحة.
لا نحاكم الأب على الجينات التي لم يخترها، ولا نعفي الابن لأن السيطرة كانت أصعب عليه. نحاكم الفعل، ونقدّر درجة الاختيار، ونفهم الأسباب، ثم نبحث عما كان يمكن أن يمنع المأساة.
فالشر ليس جينًا، وليس لونًا واحدًا، وليس شخصًا واحدًا.
إنه لحظة يلتقي فيها استعداد خفي ببيئة مواتية وضغط مفاجئ وقرار بشري. وقد نستطيع أن نغير البيئة، وأن نعالج الاستعداد، وأن نخفف الضغط؛ لكن يبقى على الإنسان، ما دام قادرًا، أن يتحمل مسؤوليته عن القرار.
وفي نهاية القصة، يقف الأب أمام المرآة، فلا يسأل نفسه فقط:
هل صنعتُ مجرمًا؟
بل يسأل سؤالًا أكثر إنصافًا وأشد ألمًا:
أي جزء من ابني ورثه مني، وأي جزء صنعته الحياة، وأي جزء صنعه هو حين اختار؟
ربما لا تمنحنا الإجابة براءة كاملة لأحد، لكنها تمنعنا من ارتكاب ظلم جديد باسم العدالة.
فالعدالة التي لا تفهم الإنسان قد تتحول هي الأخرى إلى لون من ألوان الشر.



