بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

ضياع القيمة في زمن الوفرة بقلم حسام بدراوي

أفتح تطبيق الواتساب أحياناً فأجد عشرات الرسائل المنقولة يوميا تتراكم في جروبات ‏لا أتذكر متى انضممت إليها‎. ‎بعضها إرادياً، وبعضها الآخر جاءني من غير قصد‎. ‎كلها ‏تتحدث عن موضوعات شتى‎: ‎سياسة واقتصاد وصحة ودين وأمثال وقصص وحكم‎. ‎كلها “‏‎ ‎مهمة”، وكلها “يجب أن تُقرأ”، وكلها تصلني بنفس الإلحاح‎.‎
في البداية كنت أفتحها واحدة تلو الأخرى‎. ‎ثم بدأت أتصفحها بسرعة‎. ‎ثم صرت أتجاهل ‏معظمها‎. ‎واليوم أشعر أن كثرتها نفسها قد أفقدتها قيمتها.‏
هذه ليست مشكلة تقنية فقط، بل ظاهرة ثقافية عميقة‎. ‎فالوفرة الزائدة تُنتج عكس ما ‏يُتوقع منها‎ . ‎بدل أن تزيد من معرفتنا، تُشتت انتباهنا‎. ‎وبدل أن تمنحنا خيارات أفضل، ‏تجعل التمييز أصعب‎. ‎يصبح النفيس مدفوناً تحت ركام من التكرار، ويصعب على ‏القارئ أن يعرف أين يتوقف، وماذا يستحق الوقت، وماذا يمكن أن يُمرَّر دون أسف‎.‎
التكرار نفسه يفقد المعنى‎. ‎الفكرة التي كانت تُثير التأمل في المرة الأولى، تصبح في ‏المرة العاشرة مجرد ضجيج مألوف‎. ‎والنص الذي نُقل عشرات المرات يفقد نضارته، ‏حتى لو كان أصله جيداً‎. ‎ومع الوقت، يعتاد العقل على المرور السريع، فلا يعود يتوقف ‏أمام ما يستحق التوقف‎.‎
هنا تكمن المفارقة‎: ‎نحن نعيش في عصر يتيح لنا الوصول إلى كمّ هائل من الأفكار، ‏لكن قدرتنا على استخراج القيمة منه تتراجع‎. ‎لأن القيمة لا تأتي من الكم، بل من ‏الانتقاء‎. ‎والانتقاء يحتاج إلى وقت وهدوء ووعي، وهي أمور نادرة في عالم الرسائل ‏المتدفقة بلا توقف‎.‎
المشكلة لا تقتصر على الواتساب‎. ‎إنها تعكس حالة أوسع في الخطاب العام‎. ‎حين يصبح ‏كل شيء متاحاً بسهولة، يفقد الكثير من الأشياء وزنها‎. ‎وحين يتساوى النفيس مع التافه ‏في سرعة الوصول، يصعب على العقل أن يبني سلماً للأولويات‎. ‎فيتحول القارئ من ‏باحث عن معنى إلى مستهلك لمحتوى، ومن متأمل إلى متصفح‎.‎
ربما يكون الحل ليس في الانسحاب الكامل، بل في إعادة اكتشاف فن الاختيار‎. ‎أن نسأل ‏أنفسنا قبل أن نفتح الرسالة‎: ‎هل هذا يستحق دقائق من حياتي؟ وأن نسمح لأنفسنا ‏بتجاهل معظم ما يصلنا دون شعور بالتقصير‎. ‎فالقيمة الحقيقية لا تضيع لأننا لم نقرأ كل ‏شيء، بل تضيع حين نفقد القدرة على معرفة ما يستحق أن يُقرأ‎.‎
في زمن الوفرة، يصبح الندرة موقفاً أخلاقياً‎. ‎والاختيار الواعي هو آخر ما تبقى لنا من ‏سيطرة على ما يدخل عقولنا.‏

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى