
عندما قرأت عن اتفاقية الدفاع المشترك الجديدة بين السعودية وتركيا وباكستان، تساءلت: “وأين مصر؟” وهل غيابها حكمة مصرية أم استبعاد من الدول الثلاث؟
ثم وجدتني أستعيد عشرات الأحلاف التي عرفها العالم خلال القرن الأخير، وكلها استخدمت عبارات متشابهة: الأمن المشترك، الاعتداء على أحدنا اعتداء علينا جميعًا.
لكن التاريخ يطرح سؤالًا أصعب من صياغة المعاهدات: ماذا يحدث حين يأتي الاعتداء فعلًا؟
هل تقاتل دولة من أجل دولة أخرى لأنها وقعت ورقة معها؟
هنا تنتقل السياسة من البلاغة إلى الحقيقة.
في السابع من أغسطس 2026 وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقًا للدفاع المشترك يقوم على أن الاعتداء على طرف اعتداء على الجميع، ووُصف بأنه دفاعي لا موجّه ضد دولة بعينها، دون التزام عسكري تفصيلي معلن. وهذا الغموض قد يكون مقصودًا لأغراض الردع، لكنه يذكّرنا أن العبارة الشهيرة ليست في ذاتها جيشًا ولا قرارًا سياسيًا. فالتحالف الحقيقي، في تقديري، له ثلاثة مستويات: الوعد السياسي، والقدرة العسكرية، والأصعب: الإرادة لاستخدام هذه القدرة حين يصبح الثمن حقيقيًا.
والتاريخ مليء بتحالفات توافر فيها الأولان واختفى الثالث ساعة الامتحان.
الناتو الذي أنشئ عام ١٩٤٩ علي سبيل المثال نجاح لم يحتج إلى حرب . فالمادة الخامسة لحلف الناتو لم تُفعّل رسميًا طوال تاريخه، وليس ذلك دليل ضعف بل العكس: وظيفة الحلف لم تكن خوض الحرب بل إقناع الخصم أنه لن يواجه دولة واحدة إن بدأها.
خلف النص كانت هناك جيوش متدربة معًا وقيادات مشتركة وقوة أمريكية هائلة.
النص لم يصنع قوة الناتو؛ القوة هي التي أعطت النص معناه.
وهناك اتفاقية الدفاع العربي المشترك عام ١٩٥٠ : النص موجود منذ وقّعت الدول العربية في القاهرة معاهدة دفاع مشترك بجوهر مطابق تقريبًا. ومع ذلك مرت المنطقة بحروب 1956 و1967 و1973 وغزو الكويت دون أن تتحول المعاهدة إلى منظومة دفاع جماعي حقيقية، لأن الدول لم تتفق أصلًا على تعريف الخطر، وكان خلافها الداخلي أحيانًا أكبر من خلافها مع الخصم الخارجي.
تبقى مسافة واسعة بين الوحدة العاطفية للأمة والوحدة الاستراتيجية للدول.
حلف بغداد ووارسو قد يكونا مثالاً لموت المعاهدات أو انقلابها على أصحابها…
حلف بغداد انهار مع تغيّر الأنظمة السياسية في العراق وإيران وباكستان حتى انتهى رسميًا ١٩٧٩،(State.gov) — درسٌ أن الدول لا تتحالف إلى الأبد، بل المصالح هي التي تعيش أو تموت. أما حلف وارسو فقدّم مفارقة أعمق: دخلت قواته تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨ لقمع “ربيع براغ” داخل دولة عضو في الحلف نفسه ليطرح سؤالًا: هل كان تحالفًا بين متساوين أم نظام قوة تحت هيمنة دولة مركزية؟
السؤال الأصعب هو من يعرّف الاعتداء؟ ماذا لو لم يكن واضحًا من المعتدي؟ ماذا عن الهجمات السيبرانية، أو الميليشيات، أو طائرة مسيّرة لا تعلن دولة مسؤوليتها، أو حصار اقتصادي؟ لقد أصبحت الحروب الحديثة أعقد من صورة جيش يعبر حدود دولة أخرى. فأهم كلمة في أي اتفاق دفاعي ليست “الدفاع” بل: من يقرر أن الاعتداء قد وقع، وأن لحظة الحرب قد جاءت؟ هل قطع مياه النيل من سد النهضة أو إغلاق باب المندب يعتبر اعتداء علي مصرمثلا يستوجب موقف جماعي لو كانت مصر عضواً ؟
والسؤال النووي هام جداً، فوجود باكستان يضيف بعدًا حساسًا لكونها دولة نووية، لكن التصريحات الرسمية حرصت على وصف الاتفاق بأنه دفاعي لا تحالفًا نوويًا، والفارق هائل. هل يمتد
: الردع النووي لباكستان علي سلامة الدول في إطار الاتفاقية !!!!
انه سؤال عن القيادة والسيطرة وعن استعداد دولة للمخاطرة بمدنها من أجل حليف آخر.
الدول لا تدافع عن أصدقائها، بل عن مصالحها قد تبدو العبارة قاسية، لكنها ليست تشاؤمية. الدفاع الأمريكي عن أوروبا الغربية لم يكن حبًا مجردًا، بل لأن سقوط أوروبا كان سيمس الأمن الأمريكي نفسه. هنا تلتقي الأخلاق بالمصلحة، وتتحول “سأدافع عنك” إلى “سأدافع عنك لأن سقوطك يهددني أنا أيضًا” وربما هذه أقوى صيغة للتحالف.
فما الذي يجعل اتفاقية الدفاع حقيقية؟ تحتاج إلى تهديد مشترك مفهوم بالطريقة نفسها، ومصالح متداخلة، وقدرات عسكرية قادرة على العمل معًا، وقيادة وتخطيط ومعلومات ومناورات مشتركة، وقبل ذلك كله: ثقة سياسية تقنع الخصم أن الحلفاء لن يتراجعوا.
فالردع في النهاية ظاهرة نفسية؛ المهم ليس فقط ما تستطيع فعله، بل ما يعتقد خصمك أنك مستعد لفعله.
وأعود إلى السعودية وتركيا وباكستان الاتفاق مهم: السعودية قوة اقتصادية وسياسية مركزية، وتركيا عضو في الناتو بقدرات عسكرية كبيرة، وباكستان دولة نووية ذات ثقل عسكري، وبينها تاريخ تعاون سابق. لكن الحكم عليه لن يكون من مراسم التوقيع، بل مما يحدث بينه وبين لحظة الأزمة: هل تنشأ قيادة مشتركة؟ هل تتكامل أنظمة الإنذار المبكر؟ هل تعرف كل دولة مسبقًا ما هو متوقع منها؟ إن حدث ذلك يصبح الاتفاق ردعًا حقيقيًا، وإلا بقي إعلان تضامن أكثر منه منظومة دفاع.
“إنه الوعد الذي نرجو ألا نختبره”
إننا نقيس صدق الإنسان عادة بوفائه بوعده عند حلول موعده. لكن في اتفاقيات الدفاع، النجاح الأكبر ألا يحين موعد الوفاء أصلًا — أن يكون الوعد مقنعًا إلى درجة تمنع الخصم من اختباره.
فقيمة اتفاقية الدفاع الحقيقية قد تكمن في الحرب التي لم تبدأ بسببها. أما إن بدأت، تُطرح الأسئلة التي أخفتها مراسم التوقيع: كم سندفع؟ من سيقاتل؟ أين تنتهي حدود التضامن وتبدأ حدود المصلحة الوطنية؟
عندها تتحول الكلمات المكتوبة بالحبر إلى قرارات مكتوبة بالدم. فالدفاع المشترك ليس نصًا قانونيًا فقط، بل توازن دقيق بين القدرة والمصلحة والثقة والإرادة. وليست قيمة الوعد في جمال عبارته، بل في مقدار الثمن الذي يظل صاحبه مستعدًا لدفعه عند حلول موعد الوفاء.
وأنهي مقالي من منظوري السياسي الضيق، بحكم عدم اطلاعي على التفاصيل: إنني أري غياب مصر عن الاتفاقية حكمة من القيادة المصرية،فما اسهل القول وأصعب الفعل عندما تحين لحظة الحقيقة.
مصر عندها اتفاقات ثنائية مع تركيا والسعودية فعلا وعندها معاهدة سلام مع اسرائيل وعندها تحدي خطير مع أثيوبيا وعليها ان توازن تصرفاتها بميزان دقيق




