
هناك كلمة واحدة كفيلة، في جلسة نقاش عربية واحدة، بإسكات محدّثٍ كامل الحجة: “إنت بس بتنظّر”. لا تحتاج الجملة إلى دليل يفندها، ولا إلى حجة تقابلها؛ يكفي أن تُقال حتى تسقط الفكرة، مهما كانت متماسكة، إلى مرتبة الترف الذهني الذي لا يعني أحدًا في شيء. فمتى صار “التنظير” تهمة، وكيف انقلب على معناه الأصلي حتى بات أقرب إلى الشتيمة منه إلى الوصف؟
الكلمة، في جذرها اللغوي، بريئة تمامًا مما يُلصق بها. فـ”النظر” هو التأمل والتدبر، و”النظرية” ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل هي محاولة لفهمه: إطارٌ ذهني نُخضع له الوقائع المتناثرة كي تصبح قابلة للفهم والتفسير والتنبؤ. لا توجد سياسة بلا نظرية تسندها، ولو ضمنيًا؛ فحين تختار دولة أن تستثمر في التعليم قبل الطرق، أو في الصحة قبل التسليح، فهي تُنظّر، شاءت أم أبت، لأنها تتبنى تصورًا عن أولويات العمران والإنسان. المشكلة إذن ليست في التنظير بوصفه فعلًا، بل في نوعٍ بعينه منه تحوّل، عبر تراكم تاريخي مرير، إلى نموذج سلبي رسخ في الوجدان العام.
فقد عرف عالمنا العربي، منذ منتصف القرن الماضي، موجات من “المنظرين” الذين أغرقوا الخطاب السياسي بمفردات كبرى – القومية، الاشتراكية، الأصالة، الصحوة – دون أن تترجم هذه المفردات إلى مؤسسات تعمل، أو مدارس تُخرّج، أو اقتصاد ينتج. صار المثقف، في هذا السياق، شخصًا يتقن وصف الداء بلغة بلاغية آسرة، لكنه لا يملك، ولا يريد أن يملك، وصفة علاج قابلة للتطبيق. ومن هنا ترسخت المعادلة الجائرة: كلما ازدادت الفكرة تجريدًا، ابتعدت عن مسؤولية النتيجة. أصبح “التنظير” ملاذًا آمنًا لمن يريد أن يبدو عميقًا دون أن يُسأل: وماذا فعلت أنت تحديدًا؟
وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي أظنه مفتاح المسألة: ثمة تنظيرٌ يُخضع نفسه لاختبار الواقع باستمرار، فيصحح مساره كلما صدمته الوقائع، وثمة تنظير آخر يتحصن بالتجريد هربًا من هذا الاختبار بالذات. الأول هو ما مارسه، على سبيل المثال، من صاغوا رؤية التعليم أو الصحة في أي مشروع إصلاح جاد: بدأوا بفكرة، فاختبروها في الميدان، فعادوا فنقّحوها. أما الثاني فهو من يتحدث عن “الإصلاح الشامل” و”النهضة الحضارية” في المطلق، ثم يعتبر أي سؤال عن التفاصيل والتمويل والجدول الزمني إهانة لسمو طرحه. الأول عمل عام يستخدم النظرية كأداة؛ والثاني هروب من العمل العام يتوشح بلغة النظرية.
ولعل ابن خلدون، حين ميّز بين “الخبر” المجرد و”الخبر” المُختبر بمعرفة طبائع العمران، كان يعالج الإشكال ذاته من زاويته: أن المعرفة التي لا تُقاس بمنطق الواقع وتحولاته تبقى عرضة للخطأ مهما بدت متسقة في ذاتها. وهو نفسه الدرس الذي يعيد نفسه اليوم كلما واجهنا خطابًا سياسيًا يعد بكل شيء لأنه لا ينوي أن يُختبر في شيء.
فإذا كان لا بد من نقد “التنظير”، فليكن النقد موجّهًا إلى غيابه عن الفعل، لا إلى وجوده في الفكر. فالأخطر على العمل العام ليس من يفكر طويلًا قبل أن يتحرك، بل من يتحرك بلا فكرة أصلًا، ومن يتحرك بفكرة سطحية فيكرر الأخطاء ذاتها بثقة متجددة. والأخطر أيضًا أن نُصادر حق أي مواطن أو مسؤول في التفكير بصوت مرتفع، بذريعة أن الوقت للعمل لا للكلام، وكأن العمل بلا تفكير سابق فضيلة، بينما هو في الحقيقة أقرب إلى المقامرة.
يبقى السؤال الأخير: هل نحن، حين نستخف بـ”المنظرين”، نستخف حقًا بالتجريد الفارغ، أم نتهرب، دون أن ندري، من مواجهة الأفكار التي تُحرجنا لأننا لا نملك ردًا عليها سوى وصفها بأنها “مجرد نظرية”؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تكون أول خطوة نحو عمل عام أكثر جدية، وخطاب سياسي أقل خوفًا من الفكرة ذاتها.




