المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … الموازنة العامة.. بين الأرقام والدستور

ليس الدستور وثيقة تُكتب فى لحظة توافق فقط، بل يُختبر فى لحظة اختلاف. هو ليس نصًا يُستخدم حين تتوافق المصالح، بل مرجعية تُحتكم إليها حين تتصادم الإرادات.
فى جوهره، يمثل الدستور تعاقدًا أعلى بين الدولة والمجتمع، تتحدد فيه الحدود التى لا يجوز تجاوزها، والحقوق التى لا يجوز تأجيلها، والالتزامات التى لا تخضع لتقلبات القدرة أو تغير الظروف. فالدساتير لا تُكتب لتُناسب الحكومات، بل تُكتب لتُقيدها.
وعبر التاريخ السياسى المصرى، نلاحظ نمطًا يتكرر:
كلما حدثت أزمة كبرى، أو تغير فى موازين السلطة، يُعاد النظر فى الدستور، أو يُستبدل، ليتوافق مع الواقع الجديد.
لكن هذه الممارسة، مهما بدت واقعية فى لحظتها، تحمل فى جوهرها خطرًا عميقًا: تحويل الدستور من مرجعية حاكمة إلى أداة تابعة.
الدستور وُجد ليكون ثابتًا نسبيًا فى مواجهة المتغير، وليشكل نقطة ارتكاز تُقاس عليها الحكومات، لا أن يُعاد تشكيله كلما تعذر تطبيقه.
فإذا أصبح النص يتكيف مع القدرة، فقد معناه. وإذا أصبح يُعدّل كلما عجزنا عن الالتزام به، فقد هيبته.
القاعدة التى قامت عليها الدولة الحديثة واضحة: النص يُلزم الجميع، خاصة من يملكون السلطة.
فإذا عجزت حكومة عن الوفاء بهذه الالتزامات، فإن الأصل ليس إعادة تعريف النص، بل مراجعة القدرة على الحكم فى ضوء هذا النص.
من هنا، فإن أى نقاش حول الموازنة العامة. لا يبدأ عندى بالأرقام فقط.. بل بالإطار الذى يحكمها.
هل تُدار الدولة وفق ما تسمح به الموارد فقط، أم وفق ما يفرضه الدستور؟
هذا السؤال ليس فلسفيًا، بل عملى بامتياز.
وعند الانتقال إلى مشروع الموازنة العامة للدولة المصرية للعام المالى ٢٠٢٦/ ٢٠٢٧، كما تم عرضه أمام البرلمان من وزير مالية أكن له كثيرا من الاحترام، تظهر أهمية هذا السؤال بوضوح. فالموازنة، فى ظاهرها، تعكس قدرًا من الانضباط فى المؤشرات الكلية:
عجز مستهدف عند نحو ٤.٩٪ من الناتج المحلى، وفائض أولى ملحوظ، ونمو فى الإيرادات، خاصة الضريبية. وهى مؤشرات تعكس جهدًا معتبرًا فى إدارة المالية العامة. لكن تقييم الموازنة لا يكتمل فقط بما تتضمنه من أرقام، بل أيضًا بمدى تعبيرها عن الصورة الكاملة للاقتصاد، ومدى التزامها بالإطار الدستورى الذى يحكمها.
فى النظم المالية الحديثة، يقوم بناء الموازنة على مبدأين أساسيين كما فهمت من قراءاتى السياسية غير المحترفة ماليا:
الشمول ووحدة الموازنة.
أى أن تتضمن- قدر الإمكان- جميع الموارد والاستخدامات، بما يسمح برؤية كلية متكاملة، ويعزز من كفاءة القرار الاقتصادى. ومن هذه الزاوية، يصبح من الضرورى التمييز بين نطاق الموازنة المحاسبى ونطاقها الفعلى فى الاقتصاد.
فمثلاً، تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن حجم الأنشطة المرتبطة بجهات وهيئات وصناديق لا تندرج بالكامل ضمن الموازنة العامة قد يمثل ما بين ٢٠٪ و٣٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى، إلى جانب مئات المليارات من الجنيهات التى تدور سنويًا عبر الصناديق والحسابات الخاصة.
هذه المساحة، مهما اختلفت طبيعتها، تطرح سؤالًا مشروعًا حول اكتمال الصورة المالية للدولة.
فكلما اتسعت الأنشطة خارج الإطار الكامل للموازنة، أصبح من الأصعب تقييم الحجم الحقيقى للإنفاق العام، أو كفاءة توزيع الموارد، أو حتى تقدير العجز بصورة دقيقة.
ومن هنا، فإن الشفافية الكاملة لم تعد خيارًا إداريًا، بل ضرورة اقتصادية ودستورية فى آنٍ واحد.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يتقاطع التحليل المالى مع الالتزام الدستورى. فالدستور لم يكتفِ بوضع إطار عام، بل حدد التزامات واضحة فى صلب الموازنة، خاصة فيما يتعلق بالإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمى.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط: هل الموازنة منضبطة ماليًا؟ بل أصبح: هل هى منضبطة دستوريًا؟.
لذلك أعود إلى الأساس الدستورى للإنفاق على الإنسان، وهو فى رؤيتى السياسية والفلسفية جوهر الحكم.
تستند مسألة الحد الأدنى للإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمى فى الموازنة العامة إلى نصوص صريحة فى دستورنا، والتى تُعد قواعد آمرة ملزمة لكافة سلطات الدولة، وليست توجيهات إرشادية.
١. المادة (١٨) – الحق فى الصحة
تنص على أن:
تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن ٣٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
الدلالة:
الإنفاق على الصحة ليس خيارًا ماليًا، بل التزام دستورى محدد بنسبة دنيا، يُقاس بالناتج القومى لا بإجمالى المصروفات.
٢. المادة (١٩) – التعليم قبل الجامعى
تنص على أن:
تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن ٤٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
٣. المادة (٢١) – التعليم الجامعى
تنص على أن:
تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم الجامعى لا تقل عن ٢٪ من الناتج القومى الإجمالى.
٤. المادة (٢٣) – البحث العلمى
تنص على أن:
تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للبحث العلمى لا تقل عن ١٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
والقراءة القانونية الموجزة تقول:
* هذه النصوص تحدد نسبًا دنيا ملزمة، وليست تقديرات قابلة للتعديل وفق الظروف.
* القياس يكون على الناتج القومى الإجمالى، وليس على إجمالى الإنفاق الحكومى، وهو فارق جوهرى فى التقييم.
* عبارة «تتصاعد تدريجيًا» تعنى وجوب التحرك نحو زيادتها، لا النزول عنها أو الالتفاف عليها.
* أى معالجة محاسبية (إعادة تصنيف أو دمج بنود) لا تُعتد بها دستوريًا إذا لم تنعكس على الإنفاق الفعلى المباشر على الخدمة وهو هنا حق.
الخلاصة القانونية أن الالتزام بهذه المواد ليس مسألة فنية فى إعداد الموازنة، بل مسألة شرعية دستورية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.
فالموازنة، فى ضوء هذه النصوص، ليست مجرد أداة مالية، بل أداة لتنفيذ الحقوق الدستورية.
أما عن دور البرلمان ولجانه، فليس فقط مناقشة الالتزامات الدستورية فى تقديم الموازنة، لقبولها من عدمه، بل فى مساءلة الحكومة فى كيفية الإنفاق وجديته وكفاءته.
البرلمان هو ممثل الشعب فى ضمان حصوله على حقوقه، فالشعب المصرى العظيم يستحق حكومة تحترم التعاقد الاجتماعى السياسى معه ويستحق برلماناً يساءل هذه الحكومة لاحقا عن أدائها تجاه الالتزامات التى وافقت عليها فى بداية كل دورة تشريع.
مصر تستحق أفضل ما لدينا كلنا.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى