
تصورت الفيلسوف سقراط وقد انتقل إلى عالمنا، وجاء ليحاورني وشباب الحالمين بالغد.. واستخدمت في الحوار كلمات سقراط لتكون معبرة عن فلسفته.
سقراط هو المؤسس الحقيقي للفلسفة عند اليونان، حيث يعتبر أستاذًا للحكيم أفلاطون والذي هو بدوره أستاذ لأعظم الفلاسفة اليونانيين أرسطو. كان المبدأ الرئيسي في فلسفة سقراط هو البحث عن المعرفة، لأنه كان يرى أن المعرفة لا يمكن أن تقوم على أساس صحيح إلا بعد دراسة طرق الوصول إليها. ثم إن الأخلاق نفسها لا يمكن أن تقوم إذا لم تُسبق بالعلم، لأن الفضيلة تقوم على العلم.
ويعتقد سقراط أن الكرامة الحقيقية للنفس إنما تنبثق من العلم الذي هو ميراثها الحق.
جمع سقراط بين المبادئ المقبولة للفيزياء وبين إتقان الجدل.
قال سقراط قبل بدء اللقاء، اشرح لي ما هي الديمقراطية عندكم لأفهم المنطق وراء ما حدث عبر السنين.
قلت: إن الحقوق الإنسانية والانتخابية التى نشأت في الديمقراطية الغربية في أواسط القرن العشرين، قد تدرجت في التعميم على حسب الحاجة إلى الناخبين، فنالها العمال في البلاد الصناعية قبل أن ينالها الزارع، ونالتها المرأة بعد أن أصبحت عاملة في المصانع تنوب عن الجنود في الحرب، ونالها الملونون في الولايات المتحدة بعد اضطرار الدولة إلى خدماتهم في المجتمع وفي الجيوش على التدريج في الحربين العالميتين، ونالتها الشعوب المختلفة نتيجة للضغوط المتبادلة والصراعات بين الطبقات للوصول إلى صيغة سياسية معينة يرتضيها كل الأطراف.
أما الحقوق الإنسانية المعترف بها من ناحية المبدأ وليست خططاً عملية يوجبها تكافؤ القوى بين الطوائف وجماهير الناخبين، فتمثلها ديمقراطية إنسانية لا يمكن تصورها دون عناصر المساواة، والمسؤولية الفردية، وقيام الحكم على الشورى وعلى دساتير معلومة من الحدود والتبعات.. وهي العناصر التي ننادي بها كمبادئ عامة وليست اضطرارًا لواقع انتخابي أو خدمة في الجيوش، ولكنها تمثل إيماناً حقيقياً بكيفية العدالة في الحكم اعترافاً بحقوق المواطنين، بغض النظر عن مستواهم التعليمي أو موقعهم الاجتماعي.
قال واحد من شباب الحالمين: ولكننا نلاحظ ونحن ننظر إلى الديمقراطية الغربية، وما يُطبق منها في دول العالم، خاصة الدول النامية، نجِد كثيراً من التناقضات بين الفلسفة والواقع، وتَجَبر السلطات الممنوحة للحكومات، وأحيانًا الظلم الاجتماعي لطبقات من الشعوب التي لا تستطيع بمقومات معارفها وقدراتها أن تحصل على تكافؤ حقيقي للفرص المتاحة كما ندّعي ونقول، فالأكثر تعليماً، والأكثر ثراءً، والأكثر انفتاحاً على العالم، يحصل على الفرصة، وتزداد الفجوة بين المواطنين تدريجياً وتضيع في كثير من الأحيان فرص التنمية الإنسانية التي نبتغيها من الحكم الرشيد.
الديمقراطية قد تكون قد نجحت جزئياً في أوروبا وأمريكا الشمالية ولكنها فشلت في تطبيقها في الدول النامية والفقيرة.
قالت واحدة من الفتيات وسقراط مندهش:
دفعنا هذا الأمر كباحثين يرغبون في استنفار ردود فعل المواطنين إلى طرح سؤال فلسفي يا أستاذ الفلاسفة في السوشيال ميديا نقول فيه “كيف يَتحكم ويَظلم من تختاره الشعوب فيمن اختاروهم وهم يعلمون أن من يختاره يستطيع تغيير اختياره وأنه رهن إرادة من اختاره!!.
وكيف يستهين من تدفع الشعوب لهم مرتباتهم ويدينون بموقعهم لهم بمن يتكلف قيمتها ويعطيهم وظائفهم إلا لو كان النظام غير كفء ولا يعبر عن حقيقة توازن القوى.
قال شاب آخر: الشعوب أقوى من حكامها بدون الحاجة لثورات أو مظاهرات إذا استخدموا حقوقهم في الاختيار وقت الاختيار.
امتعض سقراط قليلًا، وقال: وهل يستطيع الجاهل والفقير والمُستعبد الاختيار الحر؟؟؟ إنه رهن إرادة من يعلم، ومن يعطي ومن يملك، أما زلتم تتجادلون بعد 2500 سنة في هذا النوع من الديمقراطية؟؟. لقد كان لدينا انتقادات لاذعة تجاه هذه الطريقة من الحكم، انتقادات من الغباء تجاهلها حتى بعد مرور كل هذه السنين.
لقد كنت أحاضر في الماضي حول طبيعة الدولة المثالية وفي مرحلة ما سألت شريكي، أديمانتوس، من كان سيفضله لإدارة وقيادة مركباً عبر البحر، راكب عشوائي، أم قبطان مدرب تدريباً جيداً، متعلم وذو خبرة؟ وبعد اختيار القبطان كخيار واضح، نقلت هذه الاستعارة إلى مفهوم الدولة، وسألت لماذا نسمح لأي شخص جاهل أن يحاول إدارة سفينة الدولة.
الديمقراطية التي تتكلمون عنها، وكان يجادلني فيها السفسطائيين، تجعل جمهور الغوغاء يختار من يقود السفينة.
قلت لأخفف وطأة دهشة الحاضرين، إن اعتراضات سقراط على الحكم الديمقراطي بالشكل الذي نفهمه الآن يمكن ملاحظتها في أعمال له، حيث تحدث في حوارات عديدة عن العدد القليل جداً من الناس الذين يمتلكون تلك الفضائل المؤدية للقدرة علي الحكم السليم، وكيف أن عدداً أقل من الناس قادرون على فهم ذلك. ومما لا شك فيه، لم يعتبر سقراط عامة السكان أذكياء بما فيه الكفاية لإدارة الأمور وحكم الدولة.
قال شاب من الحاضرين: إن هذا منطق ما زال يدور في الأذهان، هل الحكم يكون بديمقراطية مطلقة يشترك في الاختيار فيها الجاهل والعالم أم ديمقراطية الصفوة من ذوي العلم والخبرة؟!.
واضح أن رأي سقراط، أهم فلاسفة عصره، أنه يفضل ديمقراطية الصفوة..
قال شاب آخر دارس للفلسفة: ولكن هل كان ذلك رأي الفلاسفة الذين أتوا بعد سقراط أيضًا يا دكتور؟
رددت قائلاً: تلاحظون تأثر أفلاطون بأستاذه، ففي أجزاء من كتاب “الجمهورية” العظيم، أشار أفلاطون إلى أن الديمقراطية هي واحدة من المراحل الآخيرة في انحطاط الدولة المثالية، مرحلة رديئة جدًا لدرجة أن الشعب في نهاية المطاف ممكن أن يَنتحب ديكتاتور لإنقاذهم من الديمقراطية التي تؤدي في الغالب لغرق السفينة. الديمقراطية باعتقاد سقراط وتلميذه أفلاطون ستجلب الطغاة في النهاية.
ابتسمت واحدة من الحاضرين وقالت: والله تجربة دول العالم الثالث تقول ذلك أيضاًؤ فهي تستبدل ديكتاتور بآخر باستخدام آليات الديمقراطية…
قال سقراط: ألم تتعلموا، أن الديمقراطية هي النسخة الفاشلة من حكم الجموع، لقد كنت أرى أن أثينا مدينة متداعية، تبتعد عن دستورها البديع كما وضعه سولون وبالقطع أفضل من الحكم الثيوقراطي (الحكم الديني بواسطة الرهبان) المستبد باسم الرب.
قلت: الفكرة القائلة بأن الديمقراطية تحمل تصدع جوهري كانت منتشرة بشكل واسع وحظت بتأييد في وقت لاحق حتى من قبل المفكرين الليبراليين. فولتير مثلاً الذي أيد جميع حقوق حريات التعبير عن الرأي والدين، قال “لكاثارين” حاكمة روسيا في حينها أنه “لم يحدث شيء عظيم في العالم إلا من خلال عبقرية وحزم رجل واحد يكافح تحيزات الجماهير” . فمفهوم الليبرالية لديه كان منفصلًا تمامًا عن الديمقراطية.
التفت سقراط إليّ وقال: لقد اخترع البشر كثير من التعريفات لنفس التصرفات الإنسانية، وكما فعل السفسطائيين أيامنا لا بد أنكم تتجادلون وتقتلون بعضكم على تعريفات لم تتفقوا على معانيها.
رددت قائلاً: حكيم أنت وما زلت يا سقراط..
قال سقراط: أذكركم أن المسمى ليس هو أهم عنصر لبيان الحقيقة، فلو أطلقت على الوردة أي اسم آخر ستظل تشم رائحتها وترى جمالها كما هي.. فعليكم البحث عن المعنى الذي يعنيه الاسم في عقولكم لتجعلوا للكلمات حيثية..
قال شاب من الحاضرين: إذا كانت الديمقراطية سيئة جداً، فلماذا نمارسها الآن؟ لماذا نكرر الخطأ، ولماذا ندافع عنها؟
قال سقراط: لقد كنت وما زلت قلقًا بشأن المشاكل التي يطرحها السكان غير المتعلمين والمنقادين بسهولة في حال حصلوا على السلطة في كنف الدولة.
وأضاف: هذه الحقائق، جنبا إلى جنب مع القوة المكتسبة في مناصب الدولة وتحت أيدي الجمهور المصوت، هي التي كان من شأنها ترحيبي بالموت.
أضاف سقراط “هناك شئ واحد صالح وهو المعرفة، وشر واحد، وهو الجهل”. فالتعليم هو أفضل أمل للديمقراطية. فالشعب الذي يفهم السمات المطلوبة في زعيم ما، يميز الفرق بين كونه ممثل مخادع أو زعيماً مشروعاً، ويعرف المسار الذي يجب أن يتخذه وهو الفرق بين الديمقراطية الفعّالة والكابوس الذي عانيت منه وأراكم تعانون منه أيضاً.
الناخب يحتاج إلى فهم ما يكفي لتحديد الشخص المناسب ليكون في السلطة ممثلا عنه.
لقد راجعت نفسي ووجدت أنه حتى لو كان الحاكم متعلماً وجديراً بالحكم، فلا بد تغييره بعد مدة من الزمن وإلا تحول إلى طاغية.. هذه هي حقيقة الإنسانية، إذا تَمَلك إنساناً القوة والسيطرة والثروة يتحول إلى شرير..
وأنا متعجب ومندهش من الجدل حول أمور كنت أعتقد أنها ولا بد قد حُسمت في المستقبل، أقصد المستقبل بالنسبة لي. وهو التاريخ بالنسبة لكم..


