
تابعت في الأيام الأخيرة الجدل الدائر حول عبد الرحمن السيد، الأمريكي من أصول مصرية، وما صاحب صعود اسمه في الحياة السياسية الأمريكية من موجة تعليقات مصرية، قليلها يحتفي بنجاحه، وأكثرها يفتش في تصريحاته ومواقفه بحثًا عن جملة هنا أو كلمة هناك يمكن أن تثبت أنه «يهاجم مصر».
ولست هنا في موقع الدفاع عن عبد الرحمن السيد، ولا أعتقد أن النجاح يعفي صاحبه من النقد، ولا أن الأصل المصري يمنح أحدًا حصانة من المساءلة. فإذا أخطأ الرجل في حق مصر، فمن حقنا أن نختلف معه، وإذا اتخذ موقفًا نراه ظالمًا أو غير منصف، فمن حقنا أن نرد عليه.
علما بأنه أمريكي الجنسية بالمولد وليس مزدوج الجنسيه كما يقول البعض.
مره أخري انا لا أعرفه وليس لدي رأي مسبق عنه.
ملاحظتي ان الهجوم منصب علي قوله انه لو لم يغادر والده مصر كان زمانه سواق تاكسي مما اعتبرها البعض إساءة الي مصر.
وهل سائق التاكسي سبّه في عرف الغاضبين؟؟؟؟
لكن السؤال الذي يشغلني أوسع كثيرًا من شخص عبد الرحمن السيد:
لماذا أصبحنا أسرع إلى اكتشاف ما يفرقنا اكتشاف ما يجمعنا بهم؟
ولماذا تتحول الهفوة أحيانًا إلى عنوان، بينما يصبح النجاح نفسه مجرد تفصيل؟
هناك فارق كبير بين النقد وبين اصطياد الأخطاء.
النقد يضع الكلام في سياقه، ويبحث عن المعنى والموقف وتطوره، ويقبل أن الإنسان قد يصيب ويخطئ. أما اصطياد الهفوات فيبدأ بالحكم، ثم يبحث بعد ذلك عن الدليل الذي يؤيده.
وهنا تكمن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد صنعت السوشيال ميديا ثقافة جديدة لا تقرأ الخطاب كاملًا، بل تبحث عن عشر ثوانٍ منه. لا تناقش الفكرة، بل تقتطع الجملة. ولا تسأل: ماذا قال الرجل قبل ذلك وبعده؟ بل تسأل: ما أكثر عبارة يمكن أن تثير الغضب إذا وضعناها وحدها على الشاشة؟
وبمرور الوقت أصبحنا جميعًا، بدرجات متفاوتة، أسرى لهذه الثقافة.
والأخطر أن الخوارزميات نفسها تكافئ الغضب أكثر مما تكافئ الإنصاف. فالجملة التي تقول: «فلان ناجح وله مواقف نتفق معها وأخرى نختلف معها» لا تنتشر كثيرًا. أما العبارة التي تقول: «فضيحة.. شاهد ماذا قال عن مصر»، فهي أكثر قابلية للمشاركة والتعليق والاشتباك.
وهكذا لا تصبح السلبية مجرد حالة نفسية، بل تتحول إلى اقتصاد للانتباه.
ومن هنا أسأل سؤالًا قد يبدو استفزازيًا:
ماذا لو لم يكن اسم الرجل عبد الرحمن السيد؟
ماذا لو كان سياسيًا أمريكيًا ناجحًا من أصول أوروبية أو آسيوية، وقال الكلام نفسه؟
هل كنا سنطارده بالدرجة نفسها؟ أم أن الأصل المصري هو الذي جعلنا نطالبه، من حيث لا نشعر، بأن يكون ممثلًا دائمًا لمصر، ومدافعًا عنها في كل قضية، ومتوافقًا معنا في كل موقف؟
فالإنسان الذي يعيش وينشأ ويمارس السياسة في دولة أخرى ستكون له بالضرورة رؤيته ومصالحه وسياقه السياسي. والانتماء إلى الجذور لا يعني التطابق في الآراء. المصريون أنفسهم داخل مصر يختلفون حول مصر وسياساتها، فكيف نطالب من يعيش خارجها بأن يحمل رأيًا واحدًا لا يتغير؟
والأمر لا يتعلق بعبد الرحمن السيد وحده.
حتى محمد صلاح، الذي أصبح واحدًا من أشهر المصريين في العالم، لم يسلم من هذه الثقافة.
مرة نريده لاعب كرة فقط، ومرة نطالبه بأن يكون سياسيًا ودبلوماسيًا ومتحدثًا باسم مصر والعرب، ومرة نحاكمه على صورة، ومرة على صمته، ومرة على كلمة قالها، ومرة على كلمة لم يقلها ومرة طقوس لم يقم بها للدلاله علي انه مسلم
وكأن النجاح لا يكفي.
كلما ارتفع الإنسان، ارتفع معه سقف المطالب، حتى نصل أحيانًا إلى نقطة نطالبه فيها بالكمال من وجهة نظرنا.
وهذا ظلم للناجح، لكنه أيضًا خسارة للمجتمع.
فالأمم الذكية لا تبحث فقط عن «ملكية» أبنائها الناجحين، بل تبني معهم جسورًا.
الهند مثلًا لا تحتاج أن يكون كل أمريكي من أصل هندي متفقًا مع الحكومة الهندية لكي ترى في نجاحه إضافة إلى القوة الناعمة الهندية. والأمر نفسه ينطبق على جاليات كثيرة استطاعت أن تحول أبناءها في الخارج إلى شبكات معرفة وتأثير واستثمار وعلاقات، بدلًا من إخضاعهم كل يوم لاختبار الولاء.
نحن في مصر نملك ثروة بشرية هائلة خارج حدودنا: علماء وأطباء وأساتذة جامعات ورجال أعمال وفنانون ورياضيون وسياسيون من أصول مصرية.
السؤال ليس: هل يتفقون معنا في كل شيء؟
السؤال الأذكى هو:
كيف نحافظ على مساحة تسمح لهم بأن يشعروا بأن مصر جزء من تكوينهم، حتى عندما يختلفون معها؟
فالانتماء الحقيقي لا يصنعه التخويف، ولا تصنعه لجان التفتيش في الكلمات، وإنما تصنعه الذاكرة والمودة والاحترام والمصلحة المشتركة.
وهنا أصل إلى ما أراه مشكلة أعمق في ثقافتنا العامة: لقد أصبح اكتشاف السلبي أسهل من اكتشاف الإيجابي.
نقرأ مقالًا طويلًا فنبحث عن الجملة التي نختلف معها.
نستمع إلى خطاب مدته ساعة فنقتطع منه عشر ثوانٍ.
ننظر إلى مسيرة إنسان امتدت عشرين عامًا، فنختصرها في موقف واحد.
بل ربما نفعل الشيء نفسه في حياتنا اليومية؛ ننسى عشرات المواقف الطيبة بسبب موقف واحد سيئ.
وكأن العقل أصبح مدربًا على البحث عن الخطأ، لا عن الصورة الكاملة.
ولا أدعو هنا إلى التفاؤل الساذج، ولا إلى إخفاء الأخطاء تحت سجادة الوطنية. فالمجتمع الذي لا ينتقد نفسه يفقد القدرة على التطور.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين النقد الذي يريد الإصلاح، والسلبية التي تبحث عن الإدانة.
الأول يسأل: كيف نجعل الأمر أفضل؟
والثانية تسأل: كيف أثبت أن الآخر أسوأ؟
الأول يبني.
والثانية تستمتع بالهدم.
ولذلك فإن قضية عبد الرحمن السيد، بالنسبة لي، ليست قضية عبد الرحمن السيد.
إنها مرآة صغيرة لسؤال أكبر:
هل نستطيع أن نفرح بنجاح إنسان، ونختلف معه في الوقت نفسه؟
هل يمكن أن نقول إن هذا الرجل من أصول مصرية وحقق نجاحًا يستحق التقدير، ثم نناقش مواقفه بهدوء، فنوافقه في بعضها ونرفض بعضها الآخر؟
أعتقد أن المجتمع الناضج يستطيع أن يحمل الفكرتين معًا.
فالحياة ليست مباراة بين الأبيض والأسود.
والإنسان ليس جملة واحدة.
والوطنية ليست امتحانًا نضعه للآخرين كل صباح.
وقد يكون السؤال الذي يستحق أن نتركه لأبنائنا أبسط من كل هذا:
لماذا نبحث دائمًا عما يفرقنا، بينما العالم الناجح يبحث عما يمكن أن يجمعه؟
إن مصر لا تصبح أكبر حين نضيّق تعريف المصري، بل حين نوسعه.
ولا تصبح أقوى عندما نطارد أبناءها في العالم مطالبين إياهم بالتطابق معنا، بل عندما نصنع من اختلافهم ونجاحهم واتساع تجاربهم جسورًا إليها.
ربما حان الوقت لأن نستبدل ثقافة اصطياد الهفوات بثقافة اكتشاف المساحات المشتركة.
فالأمم الواثقة من نفسها لا تخاف من اختلاف أبنائها.
بل تعرف كيف تحول اختلافهم إلى ثراء، ونجاحهم إلى قوة، وجذورهم إلى جسور.





