المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ”المصري اليوم” … حين تغرق الأمم فى التفاصيل

فى أوقات الأزمات قد يغرق الإنسان والأمم فى التفاصيل، ثم فى تفاصيل التفاصيل. يتركّز الاهتمام على الفوز الهامشى هنا وهناك: قرية استُعيدت، ناقلة مرت، خط أنابيب توقف يوماً ثم عاد. وتغيب الرؤية الكلية الشاملة. بل إن التعامل مع التفاصيل قد يحقق أهدافاً فى معارك جديدة تُغيّر الصورة قصداً وتعمّداً. ليست كل جبهة امتداداً للحرب الأولى. بعضها يُفتتح كى لا تُرى الحرب الأولى أصلاً. هذا هو حال العالم اليوم.
حرب أمريكا وإيران بدأت برغبة كسر إرادة إيران واذنابها عن احتمال أذية إسرائيل وإسقاط النظام الإيرانى؟ ثم انزلق السؤال—بتخطيط أو بالضرورة—إلى مضيق هرمز، ثم إلى ساحل اليمن، ثم إلى خط النفط السعودى العابر للجزيرة، ثم إلى أسعار البنزين فى ولاية أمريكية تنتخب بعد أشهر. كل انتقال يبدو منطقياً فى لحظته. ومجموع الانتقالات يُخرج الصراع من دائرة الحسم إلى دائرة الاستنزاف المُدار.
من ينظر من أعلى لا يرى ثلاثة أخبار منفصلة بل يرى هندسةً لتفتيت الانتباه.. القوة فى القرن الحادى والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ وحدها، ولا بارتفاع الناتج، ولا بخطاب النصر فى نشرة المساء. تُقاس بقدرة نظام على أن يظل هو نفسه بعد أن تتغيّر الخريطة من تحته. إيران خسرت الكثير فى الاقتصاد والعملة ودم أبنائها. لكنها تحتفظ بميزة قاسية: سلطتها لا تحتاج رضا الشارع الإيرانى فى الأجل القصير، ورغم اختراق مخابرات اسرائيل وأمريكا للنظام الإيرانى مخابراتياً فإنه لم يسقط.
أمريكا أقوى بما لا يُقاس، لكنها تدخل الشتاء ومعها ناخب أمريكى يحاسب على السعر لا على السرد. والخليج بنى مشروعه النهضوى على استقرار تصدير الطاقة وهدوء الممرات؛ فإذا اهتز الممر اهتز المشروع كله. هنا ينكشف المعنى الأعمق لما يسمّيه بعضهم «معركة السرد». السرد ليس دعاية فوق الحقيقة. السرد هو الإطار الذى تُرتَّب فيه الحقائق حتى تبدو وكأنها حرباً أخرى. من يفرض الإطار يفرض معيار الربح والخسارة. إن أقنعت الدعاية العالم أن المعركة هى «من يفتح هرمز» فقد ربح الحرب، وإن مرّ ثلث الناقلات فقد حدث الانتصار وقد كان الممر مفتوحا قبل الحرب. وإن أقنعت الادارة الناخب الأمريكى أن المعركة هى معركته وإن التفاصيل اليومية لفوز هنا وفوز هناك فقد تكسب انتخابات الشيوخ وقد يستمر نيتنياهو فى الحكم رغم جرائمه فى الداخل والخارج . لقد أصبحت التفاصيل تُختار لأنها تُبدّل المعيار.
الحوثيون فى هذا المشهد ليسوا حاشية. هم أداة تحويل الإطار. عشرون عاماً من القتال صنعت تنظيماً يعرف الأرض ويعرف صبر الخصوم الأغنى. مقارنتهم بطالبان ليست إهانة لأحد الطرفين؛ هى تذكير بأن الحروب التى لا تُحسم بالاحتلال تُحسم باليأس أو بالتفاوض. ترامب الذى فاوض طالبان استنتج استحالة الحسم، ويقف اليوم أمام سؤال أخطر: هل يفتح جبهة رابعة فى اليمن وهو لم يُغلق الأولى فى إيران؟
رفضه الضرب الفوري—إن ثبت—ليس ضعفاً عسكرياً بالضرورة. هو إدراك أن كل صاروخ جديد يلد خبراً جديداً، وكل خبر جديد يلد جبهة فى وعى الشعوب لا على الخريطة.
والخطر على السعودية مزدوج. الأول مادى: طاقة الشتاء الغربى تمرّ من أرضها ومياهها. والثانى سياسي–حضارى لأن مشروع التحوّل الكبير لا يعيش طويلاً فوق بنية تحتية هشّة وحرب وكلاء تتسلل من العراق واليمن فى وقت واحد.
من أراد للخليج أن يبقى ممراً لا ساحة، عليه أن يفهم أن الحياد اللفظى لا يحمى أنبوب بترول، وأن الحماية العسكرية الأمريكية ليست شيكاً مفتوحاً بلا تكلفة انتخابية فى واشنطن.
أما أوروبا فتدخل الشتاء كعادتها: مستهلكة للطاقة، منقسمة فى الرواية، تبحث عن أخلاقيات فى حرب لم تصنعها وعن وقود فى حرب قد تخسرها. التفاصيل هناك ستكون عن مخزون الغاز ونسبة التضخم.
والرؤية الكلية غائبة: أن أمن الطاقة لم يعد ملفاً فنياً، بل امتداداً لصراع الإرادات من طهران إلى باب المندب.
ما العمل إذاً إن لم نرد أن نبقى أسرى الخبر اليومى؟
أن نعيد طرح الأسئلة الكبيرة قبل أن تبتلعها المعارك الصغيرة.
السؤال ليس: من ربح هذا الأسبوع فى الساحل اليمنى؟
السؤال: من يستطيع أن يعيش خمس سنوات داخل حرب لا تُغلق مضيقها ولا تُسقط نظامها ولا تُطمئن ناخبها؟
السؤال ليس: هل وصل النفط إلى ثلث مستواه السابق؟
السؤال: هل بقى لدى الدول المنتجة مشروع تنمية إن تحوّلت من مصدر رخاء إلى هدف رخيص لدرون يضرب هنا وهناك؟
السؤال ليس: هل تُضرب مليشيا أم تُترك؟
السؤال: هل فهمت القوة الكبرى أن بعض الخصوم لا يُهزمون لأنهم لا يحاربون على رقعة الشطرنج التى رسمتها لها وزارات الدفاع؟
الطبقة الوسطى فى الغرب ستحاسب على السعر. والنخب فى طهران ستحاسب—إن حاسبت—على البقاء. والشعوب بين الاثنين ستدفع فاتورة التفاصيل التى أُحسن اختيارها كى لا تُرى الصورة كاملة.
لقد كتبت مراراً أن النظام الدولى لا يتعدّد بقدر ما يتفتّت. التفتّت ليس ظهور أقطاب متكافئة، بل تكاثر جبهات صغيرة تُنهك المركز وتُغرى الأطراف بأنهم صانعو التاريخ وهم فى الحقيقة أدوات تحويل الإطار.
حرب اليوم مثال حيّ: كل انتصار هامشى يُعلن فى بيان، وكل انتصار حقيقى يُؤجَّل إلى شتاءٍ مقبل أو صندوق اقتراع أو مفاوضات تُعقد بعد أن يتعب من كان يظن أنه لا يتعب.
الرؤية الشاملة ليست ترف المفكّرين. هى شرط النجاة. من غرق فى التفاصيل قد يربح معركةً ويخسر حرباً. ومن أدار التفاصيل عن عمد ربّما لم يرد الربح أصلاً، بل أراد أن تتغيّر الحكاية قبل أن يُسأل عن الخاتمة.
والخاتمة—إن بقى للعقل متّسع—لن تُكتب على ساحل اليمن وحده، ولا فى مضيق هرمز وحده. ستُكتب حيث تلتقى ثلاثة أمور لا تزال نادرة: القدرة على تحمل الألم، والقدرة على الصدق مع الشعوب، والقدرة على أن ترى الحرب، كما هى لا كما يشتهيها بيان الصباح الصادر من ترامب أو نتنياهو، أو الحرس الثورى فى إيران

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى