
بعدما كتبت مقال “تعالوا نعيش” تذكرت هذا الكتاب فعدت اليه وذكرتني به صديقة عزيزة ….
هناك سؤال يزور معظمنا كلما تقدم بنا العمر، وربما يزورنا أكثر مما نعترف:
ماذا لو؟
ماذا لو اخترت تخصصًا آخر؟
ماذا لو تزوجت شخصًا آخر؟
ماذا لو لم أترك ذلك العمل؟
ماذا لو سافرت عندما أتيحت لي الفرصة؟
ماذا لو قلت «نعم» بدلًا من «لا»، أو قلت «لا» حين قلت «نعم»؟
إنها كلمتان صغيرتان، لكنهما قد تفتحان بابًا لا نهاية له من الاحتمالات.
وقد اكتشفت، وأنا أقرأ رواية The Midnight Library — مكتبة منتصف الليل للكاتب البريطاني Matt Haig، أن الرواية كلها تقريبًا مبنية على هاتين الكلمتين.
ولكنها ليست، في تقديري، رواية عن الاحتمالات بقدر ما هي رواية عن الندم؛ ذلك الشعور الإنساني الغريب الذي يجعلنا أحيانًا نتألم لا بسبب ما حدث لنا، بل بسبب ما نتخيل أنه كان يمكن أن يحدث لو اخترنا طريقًا آخر.
وهنا تكمن عبقرية الفكرة.
من هو مات هيغ؟
مات هيغ كاتب وروائي بريطاني معاصر، كتب الرواية والمقال وأدب الأطفال، لكن جانبًا مهمًا من كتاباته ظل يدور حول أسئلة القلق والاكتئاب والوحدة ومعنى البقاء حيًا.
ولعل أشهر كتبه إلى جانب The Midnight Library كتابه Reasons to Stay Alive، وعنوانه في حد ذاته يكشف الكثير عن العالم الفكري الذي يشغله: لماذا نستمر في الحياة عندما تبدو لنا الحياة نفسها بلا معنى؟
ولذلك فإن مكتبة منتصف الليل، المنشورة عام 2020، لا تبدو لي مجرد فكرة روائية ذكية، بل امتدادًا لسؤال ظل يطارد مؤلفها:
ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟
الحكاية
بطلة الرواية هي Nora Seed، امرأة تشعر في لحظة من حياتها أن كل شيء قد فشل.
أحلام لم تتحقق، علاقات انتهت، فرص ضاعت، وأشخاص تعتقد أنها خذلتهم.
تنظر خلفها فلا ترى حياتها كما نراها نحن عادة، مجموعة من النجاحات والإخفاقات، بل تراها سلسلة طويلة من الأخطاء.
وتصل إلى نقطة تفقد عندها الرغبة في الاستمرار.
لكنها، في المنطقة الغامضة بين الحياة والموت، تجد نفسها في مكتبة لا نهائية.
إنها مكتبة منتصف الليل.
على رفوفها عدد لا نهائي من الكتب، لكن هذه الكتب لا تحكي حياة الآخرين.
إنها تحكي حيواتها هي.
كل كتاب يمثل حياة كان يمكن أن تعيشها لو أنها اتخذت قرارًا مختلفًا في لحظة ما.
لو استمرت في السباحة.
لو اختارت عملًا آخر.
لو بقيت مع شخص تركته.
لو انتقلت إلى بلد آخر.
لو حققت حلمًا تخلت عنه.
وتُمنح نورا شيئًا لا يُمنح لأي إنسان في الواقع: فرصة أن تدخل هذه الحيوات بالفعل، وأن تعرف ماذا كان سيحدث لو اختارت الطريق الآخر.
وهنا تبدأ الرواية الحقيقية.
ليست رحلة بين الأكوان بقدر ما هي رحلة داخل النفس البشرية.
نحن نعرف الطريق الذي سلكناه فقط
وأثناء القراءة توقفت أمام فكرة أراها أعمق من أحداث الرواية نفسها.
نحن نحكم على الطريق الذي سلكناه بمعرفة كاملة تقريبًا.
نعرف إخفاقاته وخيباته وآلامه وأثمانه.
لكننا عندما نتخيل الطريق الذي لم نسلكه، فإننا نتخيله عادة من خلال أجمل احتمالاته.
وهنا نقع في ظلم كبير لأنفسنا.
نقارن واقعًا كاملًا بخيال ناقص.
نقول:
لو تزوجت فلانًا لكنت أسعد.
لو قبلت ذلك العمل لكنت أكثر نجاحًا.
لو سافرت لكنت أكثر ثراءً.
لكننا لا نعرف الزوج الآخر في الحياة اليومية، ولا المرض الذي ربما كان سيحدث، ولا الوحدة التي قد تصاحب النجاح، ولا الخسارة المختبئة خلف الثروة.
نحن نرى مكاسب الحياة البديلة، ولا نرى أثمانها.
ولهذا فإن الندم، رغم ضرورته أحيانًا للتعلم، قد يتحول إلى خدعة ذهنية قاسية:
أن نحاكم حياتنا الحقيقية أمام حياة خيالية لم تُختبر قط.
مأساة الإنسان وامتيازه
وهنا وصلت إلى فكرة أعتقد أنها قلب الرواية بالنسبة لي:
مأساة الإنسان ليست أنه يعيش حياة واحدة، بل أنه يستطيع أن يتخيل آلاف الحيوات التي لم يعشها.
الحيوان يعيش حياته.
أما الإنسان فيعيش حياته، ويتخيل في الوقت نفسه الحيوات التي كان يمكن أن يعيشها.
وهذا من مصادر عبقريته، لكنه أيضًا من مصادر عذابه.
فالخيال الذي يصنع الفن والعلم والحضارة هو نفسه الذي يستطيع أن يصنع الندم.
والوعي الذي يسمح لنا بتصور المستقبل يسمح لنا أيضًا بإعادة بناء الماضي على صورة أكثر جمالًا مما كان يمكن أن يكون عليه.
كيركغارد ودوار الاحتمالات
قادني ذلك إلى الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد، الذي جعل القلق جزءًا أساسيًا من فهم الحرية الإنسانية.
فالقلق عنده لا ينشأ فقط من الخوف مما سيحدث، وإنما من إدراك الإنسان أنه كان يستطيع أن يختار شيئًا آخر.
كلما تعددت الإمكانات، ازدادت الحرية، ولكن يزداد معها القلق.
وكأن الإنسان يقف أمام أبواب كثيرة مفتوحة، ولا يعرف أيها يقوده إلى الحياة التي يريدها.
مكتبة منتصف الليل تحول هذا المعنى الفلسفي إلى مكان مادي.
رفوف لا تنتهي.
كتب لا تنتهي.
حيوات لا تنتهي.
وفي البداية يبدو ذلك حلمًا رائعًا.
لكن السؤال يصبح:
هل الحرية المطلقة نعمة فعلًا؟
أم أن جزءًا من قيمة الحياة يأتي تحديدًا من أننا لا نستطيع أن نعيش كل الاحتمالات؟
سارتر وعبء الاختيار
ثم يأتي جان بول سارتر ليضع علينا مسؤولية أكبر.
فالإنسان، في الفلسفة الوجودية، ليس مجرد ما حدث له، وإنما هو أيضًا ما يختاره أن يفعل بما حدث له.
والحرية هنا ليست دائمًا هدية مريحة.
إنها عبء.
لأن الاختيار يعني المسؤولية.
وكلما قلنا إن الظروف وحدها صنعت حياتنا، ربما نحاول أحيانًا أن نهرب من حقيقة أصعب: أننا شاركنا، بدرجات متفاوتة، في صنعها.
لكنني أختلف مع القراءة المتطرفة لهذه الفكرة.
فالإنسان ليس حرًا حرية مطلقة.
هناك ميلاد لم نختره، وأسرة لم نخترها، وجينات لم نخترها، وبلد وزمان وظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية قد تفرض حدودها علينا.
لكن داخل هذه الحدود تبقى هناك مساحة للاختيار.
وقد تكون كرامة الإنسان موجودة تحديدًا في هذه المساحة.
نيتشه والسؤال الأصعب
أما نيتشه فيأخذنا إلى اختبار أكثر قسوة وجمالًا في الوقت نفسه: فكرة العود الأبدي.
تخيل أن يأتيك من يقول لك إنك ستعيش حياتك نفسها مرة أخرى، بكل تفاصيلها، وبكل أفراحها وأخطائها وآلامها، ثم تعيشها مرة أخرى إلى الأبد.
كيف سيكون ردك؟
هل ستعتبر ذلك لعنة؟
أم تستطيع أن تقول نعم لهذه الحياة كما كانت؟
لا أقرأ فكرة نيتشه هنا باعتبارها نظرية فيزيائية عن الزمن، وإنما اختبارًا فلسفيًا للقبول بالحياة.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا عن سؤال نورا في بداية الرواية.
بدلًا من:
أي حياة أخرى كان ينبغي أن أعيشها؟
يصبح السؤال:
هل أستطيع أن أقبل الحياة التي عشتها، ثم أواصل صنع ما بقي منها؟
وهذا في تقديري سؤال أكثر نضجًا.
هل توجد حياة مثالية؟
بعد كل حياة تجربها نورا نكتشف شيئًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد:
ليس هناك طريق بلا خسائر.
فالحياة التي تحقق فيها نجاحًا قد تفقد فيها شيئًا آخر.
والحياة التي تحصل فيها على الحب قد تحمل ألمًا لم تتوقعه.
والاختيار الذي يبدو من الخارج مثاليًا قد يخلق سلسلة كاملة من النتائج التي لم تكن في الحسبان.
وهنا أعتقد أن الرواية تقترب من حقيقة إنسانية مهمة:
الحياة المثالية ربما لا توجد.
ليس لأن الحياة سيئة، بل لأن الحياة مركبة.
فكل اختيار هو في الوقت نفسه تنازل عن اختيار آخر.
وكل «نعم» كبيرة في حياتنا تحمل داخلها عددًا من كلمات «لا».
ولو استطعنا أن نعيش كل الحيوات الممكنة، فقد نفقد أصلًا معنى الاختيار.
محدودية الحياة هي التي تمنحها قيمتها
وهنا أذهب خطوة أبعد من الرواية.
نحن عادة نعتبر محدودية الحياة مأساة.
لدينا عمر واحد.
جسد واحد.
زمن محدود.
ولا نستطيع العودة إلى الوراء.
لكن ماذا لو كانت هذه المحدودية نفسها هي التي تمنح الحياة قيمتها؟
لو كان أمامنا عدد لا نهائي من الحيوات، لكان من الممكن تأجيل كل شيء.
أحبك في الحياة القادمة.
أعتذر لك في حياة أخرى.
أكتب الكتاب لاحقًا.
أسافر في نسخة أخرى مني.
أبدأ المشروع في عالم موازٍ.
لكن لأن لدينا حياة واحدة، تصبح اللحظة ذات قيمة.
وتصبح كلمة «أحبك» مهمة لأنها قد لا تتكرر.
ويصبح الاعتذار ضروريًا لأن الزمن لا يعود.
ويصبح القرار ذا معنى لأننا ندفع ثمنه.
الفناء لا يسلب الحياة معناها فقط؛ ربما هو الذي يمنحها جانبًا كبيرًا من معناها.
الرضا ليس استسلامًا
وقد يُفهم الكتاب بسهولة باعتباره دعوة إلى الرضا بالحياة التي نعيشها.
لكنني لا أحب هذا التفسير إذا كان الرضا يعني الاستسلام.
لا أريد للإنسان أن يقول: هذه حياتي وقد انتهى الأمر.
فالرضا عن الماضي شيء، والتوقف عن صناعة المستقبل شيء آخر تمامًا.
يمكنني أن أتصالح مع اختياراتي السابقة، وفي الوقت نفسه أقرر أن أغير حياتي غدًا.
يمكنني أن أقبل أخطائي دون أن أكررها.
ويمكنني أن أحب ما حققته دون أن أفقد الرغبة في تحقيق المزيد.
لذلك أرى أن الرسالة الأعمق ليست:
ارضَ بما لديك.
بل:
لا تجعل ما لم تفعله بالأمس يمنعك مما تستطيع أن تفعله غدًا.
ومع تقدم العمر…
وربما هنا وجدت أكثر ما مسني شخصيًا في الرواية.
في الشباب نسأل:
أي حياة سأختار؟
ومع تقدم العمر قد يتحول السؤال إلى:
هل اخترت الحياة الصحيحة؟
وأرى أن السؤالين ناقصان.
فلا أحد يعرف في بداية الطريق أين سينتهي، ولا يستطيع في نهايته أن يعود ليختبر الطرق الأخرى.
لذلك ربما يكون السؤال الأكثر حكمة:
ماذا سأفعل بالحياة التي ما زالت أمامي؟
فالإنسان ليس سيرته الذاتية فقط.
ليس الوظائف التي شغلها، ولا المناصب التي وصل إليها، ولا النجاحات التي حققها، ولا حتى الأخطاء التي ارتكبها.
الذات ليست متحفًا للماضي.
الذات مشروع مستمر ما دامت الحياة مستمرة.
وهنا التقت مكتبة منتصف الليل عندي مع فكرة شغلتني كثيرًا في الفترة الأخيرة:
أن تعيش هو أن تسعى.
أن تشعر.
أن تحب.
أن تتعلم.
أن تكتشف.
أن تغير رأيك.
أن تبدأ مشروعًا جديدًا.
أن تفشل مرة أخرى إذا كان الفشل ثمن المحاولة.
وأن تستيقظ في الصباح وفي ذهنك شيء لم تنتهِ منه بعد.
فالخطر الحقيقي ليس أن تكون قد اخترت طريقًا خاطئًا منذ عشرين أو أربعين عامًا.
الخطر أن تقنع نفسك اليوم بأن الطرق قد انتهت.
مكتبة كل منا
مكتبة منتصف الليل في الرواية مكان خيالي يقع بين الحياة والموت.
لكنني أعتقد أن لكل واحد منا مكتبة منتصف ليل خاصة به.
إنها الذاكرة.
على رفوفها أشخاص أحببناهم.
وفرص ضاعت.
وأبواب أغلقناها.
وكلمات قلناها ونتمنى لو لم نقلها.
وكلمات لم نقلها ونتمنى لو قلناها.
وأحلام تحققت وأخرى بقيت على الرف.
وقد نقضي ما تبقى من العمر نتجول في هذه المكتبة نسحب كتابًا بعد الآخر ونسأل:
ماذا لو؟
لكن الحياة ليست داخل المكتبة.
الحياة خارجها.
الحكمة ليست أن نمحو الندم؛ فالندم جزء من الوعي، وقد يكون معلمًا عظيمًا.
لكن الحكمة ألا نجعله سجنًا.
أن نزور الماضي لنتعلم منه، لا لكي نقيم فيه.
وأغلقت الكتاب…
عندما أغلقت The Midnight Library شعرت أن الرواية بدأت من الموت لكي تتحدث عن الحياة.
بدأت من اليأس لكي تصل إلى الإمكان.
وبدأت بسؤال:
أي حياة كان ينبغي أن أعيشها؟
لكنها تركتني أمام سؤال آخر أراه أهم:
ماذا سأفعل بالحياة التي ما زالت أمامي؟
ربما لم نختر كل ما حدث لنا.
وربما أخطأنا في بعض ما اخترناه.
وربما لو عاد بنا الزمن لاخترنا أشياء بطريقة مختلفة.
لكن الزمن لا يعود.
ولعل جمال الحياة ليس في أن نعيش كل الاحتمالات، وإنما في أن نمنح الاحتمال الذي أصبح حياتنا أكبر قدر ممكن من المعنى.
فنحن لا نملك مكتبة سحرية تسمح لنا بتجربة الحيوات التي لم نعشها.
ولكن ما دام هناك صباح آخر، وفضول لم ينطفئ، وإنسان نستطيع أن نحبه، وفكرة نستطيع أن نكتبها، وعمل لم ننجزه، وحلم صغير أو كبير لم نتخلَّ عنه بعد…
فما زال هناك كتاب مفتوح.
وما زالت هناك صفحة لم تُكتب.
وما دمنا نستطيع أن نكتب الصفحة التالية، فإن السؤال ليس: لماذا لم أعش حياة أخرى؟
بل: كيف أعيش هذه الحياة… حتى آخر صفحة؟





