
كثيرًا ما أجلس في هدوء بيتي أو أتمشى في أحد أحياء القاهرة، فتصطدم أذني بأصوات متداخلة قادمة من مساجد متقاربة، يتبارى كل منها في رفع الصوت، حتى يتعذر تمييز الكلمات، ناهيك عن فهم المعنى أو الإحساس بالخشوع.
وأتساءل: متى تحوّل نداء الإيمان إلى تنافس في تعلية الصوت؟ وهل صار إبلاغ الرسالة مرتبطًا بالضجيج؟
هذه الملاحظة اليومية، البسيطة في ظاهرها، دفعتني إلى تأمل أعمق في علاقة الصوت بالحقيقة، وفي ثقافتنا التي تميل إلى الصراخ بدلًا من الحوار، وإلى فرض الرأي لا عرضه.
في شوارع مصر القديمة والحديثة، وفي الأحياء الفقيرة والراقية، تَعلو الأصوات من مكبرات المساجد، تتداخل خطب الجمعة، ويصطدم صوت الأذان من مسجدٍ بآخر في لحظةٍ واحدة. بدلًا من أن تكون الدعوة للخشوع والسكينة، تصبح الأصوات العالية مصدرًا للتوتر والانزعاج.
هذه ليست ظاهرة دينية فقط، بل ثقافية أيضًا. فكثيرًا ما نجد في النقاشات العامة، وفي الجدل بين الأصدقاء أو السياسيين، وحتي في الأفلام والمسلسلات ، من يرفع صوته يبدو وكأنه بذلك يحسم الجدال لصالحه. لكن… لماذا نصرخ حين نختلف؟ وهل للصوت العالي علاقة بالقوة أو الإقناع؟
الصوت العالي… حين يتحول إلى سلاح
علم النفس الاجتماعي يوضح أن رفع الصوت في الحوار لا يدل بالضرورة على قوة الحجة، بل أحيانًا على ضعفها. فالصراخ يكون وسيلة تعويضية حين يعجز الإنسان عن الإقناع بالحجة والمنطق. كأنما يقول: “لن أقنعك بعقلي، فدعني أفرض عليك صوتي.”
والأكثر غرابة، أن البعض يربط بين تدين الإنسان وقدرته على إسماع الآخرين،غصبا عنهم ، لا بالحكمة، بل بشدة الصوت. وكأن الرسالة الربانية، التي جوهرها الرحمة، تحتاج إلى صدى يوقظ النائمين ويرهق المرضى!
الصراخ ليس دليلًا على الصواب، بل أحيانًا يكون قناعًا يخفي ضعف الحجة، أو وسيلة لفرض الذات حين يعجز الفكر عن الوصول إلى الآخر.
في ثقافتنا، من يصرخ يظن أنه الأقوى، ومن يملك الميكروفون يظن أنه الأحق. لكن الحقيقة أن الصوت العالي يُرعب، لا يُقنع ، يُرهق، لا يُضيء.
هل فقدنا ثقافة الهمس والتأمل؟
الرسالات السماوية، في جوهرها، جاءت هادئة، متأملة، خاشعة. لم يرفع النبي محمد صوته في خطابه، بل كان يُسمع من بعيد لحكمة منطقه لا لعُلو صوته.
الصوت ليس فقط وسيلة لنقل المعنى، بل هو أيضًا حامل للإحساس. فحين يصبح الصوت صراخًا، يضيع الإحساس، ويهرب المعنى.
بين الخطاب الديني والحوار الإنساني
إن السلوك السوي تنفيذاً للتوجيه الأمر في القرآن الكريم ( و اخفض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) والسنة النبوية المؤكدة تلزمنا بالصمت التام في المساجد اثناء الخطبة ، حتى أنه لا يجوز رد السلام ، و لا يجوز أن تقول لجارك ” اصمت “شفاهة بل تكتفي بالاشارة وهو الأمر المخالف تماما لما نراه ونسمعه في ميكروفونات جوامعنا وفي حواراتنا.
علو الصوت في خطب الجمعة قد يجعل المستمعين يستاؤون أو يغلقون النوافذ، أما الهدوء المقنع في الطرح، فهو ما يفتح القلوب قبل العقول.
كذلك في حياتنا اليومية، من يصرخ في وجه الآخر لا يُقنعه، بل يُرعبه أو يُغلق أذنيه عنه.
الحوار الحقيقي يحتاج إلى عقلٍ مفتوح، وقلبٍ حاضر، وصوتٍ واثق، لا عالٍ.
إن قوة الكلمة ليست في علوّها، بل في صدقها، واتزانها، وتوقيتها.
دعوة لإعادة النظر
ربما آن الأوان أن نراجع علاقتنا بالصوت في فضائنا العام. أن نُعيد للمساجد خشوعها، وللحوار احترامه، وللمعنى عمقه، بعيدًا عن ضوضاءٍ لا تُقنع ولا تُهذب.
الصوت العالي لا يُعلي الحقيقة، بل غالبًا ما يُغطي عليها.
ليست القضية في قوة الحبال الصوتية، بل في وضوح الرؤية.
وليس الصراخ طريقًا إلى القلب، بل الصدق، والاتزان، والإصغاء العميق.
في مجتمعات ارتفعت فيها الأصوات، وانخفضت فيها القدرة على الإصغاء، تصبح الحاجة ماسة إلى استعادة فنّ الحديث، وفنّ الصمت، وفنّ الوصول إلى الآخر دون أن نُرعبه بأصواتنا.
الصوت ليس ملكًا لمن يملكه، بل لمن يعرف متى يستخدمه.
ليست دعوتي للصمت، بل للسكينة. لا لإطفاء الصوت، بل لإضفاء المعنى عليه.
لعلنا نحتاج إلى ثورة في الوعي السمعي، نستبدل فيها الميكروفون المزعج بالصوت الواعي، والصراخ بالبيان، والضوضاء بالفهم.
الصوت العالي لا يُعلي الحقيقة، بل يُخفيها تحت أنقاض الصخب. أما الصوت العاقل، فله قدرة سحرية على الوصول، لا بالضغط، بل بالصدق والبينة والمرجعية والعقل .


