
منذ فجر التاريخ، عرف الإنسان طريقتين للتعامل مع من سبقه إلى السلطة: أن يبني على ما بناه، أو أن يمحو أثره ليبدأ التاريخ من عنده هو. والطريقة الثانية ليست حديثة، فهي بقدر قدم الحضارة نفسها.
عرف المصريون القدماء هذا الفعل باسم لم يُنطق به، لكنهم مارسوه ببراعة: مسحوا كارتوش الفرعون السابق عن جدران المعابد، طمسوا وجهه من التماثيل، أعادوا نحت الاسم فوق الاسم. توت عنخ آمون نفسه لم يسلم من هذا القدر في بداية حكمه حين حاول محو إرث أخناتون، والملكة حتشبسوت مُحيت آثارها بعد موتها بأمر من مَن خلفها. لم يكن الأمر يتعلق بالتاريخ بقدر ما كان يتعلق بشيء أعمق: من يملك حق الوجود في الذاكرة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده فلسفياً وأخلاقياً.
بين النقد والمحو: فارق أخلاقي جوهري
من حق كل جيل، بل من واجبه، أن يراجع من سبقه. أن ينقد سياساته، أن يكشف أخطاءه، أن يُقيّم إنجازاته بميزان العقل لا بميزان الولاء. هذا هو صلب أي تقدم إنساني، وأي أمة تخشى مراجعة تاريخها محكوم عليها أن تكرره.
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين ”النقد” و”المحو”. النقد يفترض وجود الشيء المنقود، يراه، يحاوره، يفنّده أو يُبقي عليه. أما المحو فهو فعل مختلف تماماً في طبيعته: إنه لا يقول ”كنت مخطئاً”، بل يقول ”لم تكن موجوداً أصلاً”. وهذا فارق ليس شكلياً، بل هو فارق بين من يثق بقدرة الحقيقة على مواجهة الزيف، ومن يخشى أن تبقى الحقيقة شاهدة تفضحه.
فحين يُمحى اسم من محطة مترو، أو يُنزع من ميدان، أو يُصادَر ذكره حتى تنقضي سنوات على غيابه، فإن الرسالة الضمنية ليست ”هذا الرجل أخطأ”، بل ”يجب ألا يتذكره أحد”. وهذه رسالة لا تخص الماضي وحده، إنها تحمل تهديداً موجهاً إلى الحاضر: من يحكم اليوم، سيُمحى غداً، إن لم يكن وريثه ”شرعياً” بما يكفي ليستغني عن هذا المحو.
أمثلة حية عبر قرن من التاريخ المصري
هذه ليست ظاهرة نظرية، بل نمط يتكرر أمام أعيننا كلما تغيرت السلطة بالقطيعة لا بالاستمرار.
محمد نجيب، أول رئيس لمصر الجمهورية وأحد قادة ثورة يوليو، اختفى اسمه وصورته من المشهد العام سنوات طويلة بعد إبعاده عام ١٩٥٤، وكأن الثورة التي شارك في قيادتها لم تعرفه يوماً. سعد زغلول ومصطفى النحاس، رمزا ثورة ١٩١٩ وزعيما حزب الوفد الذي مثّل الإرادة الشعبية لعقود، تراجع ذكرهما بشكل ملحوظ بعد يوليو ١٩٥٢، رغم أنهما صاحبا أول ثورة شعبية حقيقية في مصر الحديثة ضد الاحتلال.
وفي زمن أقرب، حسني مبارك، بعد تنحيه إثر ثورة يناير، طُمست صوره ومُحي ذكر إنجازاته من المشهد العام بعنف لافت، رغم أن من تولى الحكم فور تنحيه لم يكن رمزاً للثورة أو قائداً لها، بل كان المشير طنطاوي، رفيقه ووزير دفاعه لعقدين. فالمفارقة هنا أن المحو لم يكن دائماً من صنع ”المنتصر الجديد” بالمعنى الثوري، بل جاء أحياناً من داخل المنظومة نفسها، وكأن التبرؤ من الاسم كان أسهل من التبرؤ من الإرث.
ثم جاء محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، فمُحي ذكرهما بدورهما من المشهد بعد ٣٠ يونيو، بنفس الحدة التي عومل بها من سبقهم.
والنمط ليس مصرياً وحده. في يوغسلافيا، بمجرد رحيل تيتو الذي جمع البلاد بقبضته لعقود، بدأت الهويات القومية المكبوتة تُعيد كتابة نفسها، وتفكك ما بناه، حتى تفككت الدولة كلها معه.
الاستثناء الذي يضيء القاعدة: ديغول
لكن ثمة أمثلة معاكسة تكشف أن المحو ليس قدراً حتمياً، بل خياراً. شارل ديغول في فرنسا، رغم استقالته المفاجئة عام ١٩٦٩ بعد استفتاء خسره، ورغم خلافاته الحادة مع خصومه السياسيين، لم يُمحَ اسمه ولا إرثه، بل ازداد حضوره في الذاكرة الفرنسية الجمعية بعد رحيله، حتى أصبح اسمه على أكبر مطارات البلاد وميادينها. والفارق هنا جوهري: فرنسا انتقلت السلطة فيها بآليات دستورية راسخة لا تحتاج إلى شرعية مؤسَّسة على نفي السابق، فاستطاعت أن تحتفظ بديغول خصماً وبطلاً في آن واحد، ناقدة إياه دون أن تمحوه.
هذا يؤكد ما سبق: المحو ليس حكماً على قيمة الرجل أو حجم إنجازه، بل هو مرآة لطبيعة الانتقال ذاته. حيث تكون الشرعية متصلة، لا حاجة للمحو؛ وحيث تُبنى الشرعية على القطيعة، يصبح المحو أداة لا غنى عنها.
الحقيقة المؤجلة
ثمة ظاهرة أخرى تستحق تأملاً: لماذا لا تُنصف إيجابيات الحاكم إلا بعد جيل أو جيلين من رحيله، لا فوراً؟ وكأن الحقيقة نفسها محكومة بمسافة زمنية تفصلها عن أصحاب المصلحة المباشرين في تشويهها أو تضخيمها. فالجيل الذي عاصر الصراع على السلطة يحمل معه عداواته وولاءاته، ولا يستطيع أن يرى المشهد إلا من خلالها؛ أما الجيل الذي يأتي بعد ذلك بمسافة كافية، فيجد نفسه أقل ارتهاناً لتلك المعارك، فيبدأ ينظر إلى الإنجاز والخطأ معاً بعين أهدأ.
هذا يكشف عن خلل أخلاقي عميق في علاقتنا بالسلطة: أننا لا نجرؤ على الإنصاف إلا حين تبتعد المسافة كفاية بيننا وبين لحظة الصراع، وهذا جبن جماعي متوارث أكثر منه حكمة، لأن الإنصاف الحقيقي هو الذي يُقال في زمن قريب من صاحبه، لا بعد أن يتحول إلى صفحة في كتاب لا يقرأها إلا الباحثون.
الوطن ليس ملكاً لعابر
وهنا تتصل هذه القضية بما سبق أن تأملته في مقال آخر عن الفرق بين الوطن والدولة: فمحو الأسماء من الميادين والمحطات هو في جوهره خلط بين الاثنين. فكل حاكم يحكم الدولة لحقبة، لكنه لا يملك حق إعادة كتابة الوطن على صورته وحده. الميدان الذي يحمل اسماً، والمحطة التي تخلّد ذكرى، ليست ملكاً لمن يحكم اليوم؛ إنها ملك للذاكرة الجمعية التي تراكمت عبر أجيال، ومن حق هذه الذاكرة أن تُراجَع، لكن ليس من حق أحد أن يصادرها.
حين يفعل حاكم بحاكم سبقه ما فعله الفراعنة بأسلافهم، فإنه في الحقيقة لا يهزم غريمه الغائب، بل يعترف بأنه لم يستطع بعد أن يصنع لنفسه شرعية مستقلة عن نفي غيره. وهذه هي المفارقة الأعمق: أن فعل المحو، الذي يُراد به إثبات القوة، هو في جوهره اعتراف بالضعف.
خاتمة: من يكتب التاريخ؟
يقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون. لكن الأصح أن نقول: التاريخ يكتبه من يخشى ألا يكون منتصراً بما يكفي، فيحاول أن يضمن انتصاره بمحو كل من قد يُذكّر الناس بأن هناك احتمالات أخرى كانت ممكنة.
والأمم الحقيقية العظيمة، كما تشهد تجربة فرنسا مع ديغول، ليست تلك التي تمحو تاريخها كلما تغير حاكمها، بل تلك التي تستطيع أن تحتفظ بكل وجوهها المتعاقبة على جدرانها، بحسناتها وسيئاتها معاً، لأن التاريخ ليس ملكية خاصة لأحد، بل هو الذاكرة التي بها نعرف من نحن، وبدونها نصبح أمة بلا وجه، تبدأ من جديد في كل مرة، ولا تصل أبداً.




