
الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة تحت شعارٍ يدعو إلى «استعادة الثقة وإدارة التحول». لكن ما جرى في نيويورك، وما جرى على بعد مئتي ميل في واشنطن، كشف أن المنبر الأممي لم يعد ساحة القرار، بل مرآةً تكشف أين انتقل القرار فعلاً.
ثلاثة مشاهد تزامنت: خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من فوق المنبر، وخطاب بنيامين نتنياهو أمام قاعة يغادرها عشرات المندوبين، وغياب رئيس الصين رغم وجوده في الولايات المتحدة، ثم غياب رئيس مصر عن المنبر للعام الخامس على التوالي، مع حضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي نائباً عنه. الغياب هنا ليس نقصاً بروتوكولياً. الغياب لغة.
خطاب ترامب في 22 سبتمبر لم يكن خطاب «نظام دولي». كان خطاب قوةٍ ترى أنها أنهت حروباً وفتحت حروباً، وأن الأمم المتحدة تأتي لتصادق لا لتقرر.
قال إنه أنهى ثمانية نزاعات، بينها غزة وفق روايته، وإن مجلس الأمن أيّد خطته ذات النقاط العشرين و«مجلس السلام». ثم جعل إيران محور الخطاب: نظام «الإرهاب الأول»، ضربات أمريكية-إسرائيلية للمنشآت النووية، تدمير قدرات بحرية وجوية، وتهديد صريح: صفقة تعيد بناء إيران… أو «إبادة» الجمهورية الإسلامية. وأضاف أن الصفقة، إن جاءت، فبعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، لا قبلها.
الرسالة واضحة: واشنطن لا تطلب تفويضاً أممياً. هي تعرض نتائج، وتطلب اصطفافاً اقتصادياً لعزل إيران، وتذكّر القاعة أن القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية عادت أداة أولى. الأمم المتحدة في هذا الخطاب ليست ضامناً للقانون، بل ختماً لاحقاً على ما حُسم في الميدان وفي البيت الأبيض.
بعد يومين، وقف نتنياهو. نحو سبعين وفداً غادروا القاعة أو أخلوها. مصر كانت من بين من انسحبوا. هو سمّى المنسحبين «جبناء أخلاقيين»، ووصف اتهام إسرائيل بالإبادة في غزة بأنه «أكبر كذبة القرن»، ودافع عن الحرب على إيران بوصفها «من أسهل القرارات» لأنه لو لم تُتخذ «لكنا جميعاً أمواتاً»، وشكر ترامب شريكاً في «معركة البرابرة».
الخطاب لم يكن موجهاً إلى الجمعية بقدر ما كان موجهاً إلى الرأي العام الإسرائيلي قبل انتخابات وشيكة، وإلى حليف أمريكي لم يلتقه في نيويورك لأن ترامب كان يستقبل شي جينبينغ في واشنطن. نتنياهو جاء ساعات قليلة، بلا لقاء رسمي مع الرئيس الأمريكي، وخرج بصورة الزعيم المحاصَر الذي يقاتل «على سبع جبهات».
المعنى الرمزي أقسى من الكلمات: الدولة التي تعتمد على الشرعية الدولية تاريخياً تخاطب المنظمة من قاعة ينسحب نصفها. المنبر لم يمنحها غطاءً، بل كشف عزلةً تُدار بالقوة لا بالإجماع.
المفارقة الأبلغ كانت في وجود رئيس الصين على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في زيارة دولة لترامب، ولا يقطع المسافة إلى مقر الأمم المتحدة.
نائب الرئيس هان تشنغ يمثل بكين في نيويورك، ويتحدث عن التعددية وحل الدولتين وسيادة دول المنطقة.
شي خاطب الجمعية شخصياً مرة واحدة منذ توليه، عام 2015 في الذكرى السبعين. الغياب هذه المرة ليس عادةً بيروقراطية. التوقيت يقول إن «مجموعة الاثنين» — واشنطن وبكين — تريان أن إدارة التجارة والذكاء الاصطناعي وتوازن الردع أهم من خطبة في قاعة الميثاق. التعددية تُرفع شعاراً في الخطاب الصيني، وتُؤجَّل ممارسةً حين يكون الطرف الآخر هو البيت الأبيض لا الجمعية العامة.
هذا ليس إهمالاً للمنظمة فقط ، هذا إعلان أن مركز الثقل انتقل من المنبر الجماعي إلى الطاولة الثنائية بين قوتين نوويتين اقتصاديتين.
أين مصر: الغياب المتكرر… والحضور بالوكالة
الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يصعد المنبر للسنة الخامسة توالياً منذ عودة الاجتماعات الحضورية بعد الجائحة. رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قاد الوفد، كما فعل في الدورة السابقة، وألقى كلمة مصر.
الكلمة المصرية لم تكن صرخة ولا مزايدة، كانت حضورٌ سياسي … لكن من درجة ثانية بروتوكولياً.
الغياب الرئاسي يُقرأ في العواصم بأكثر من تفسير: تجنب احتكاك مباشر مع إدارة أمريكية تضغط على ملفات غزة وإيران والسلاح، أو تقدير بأن المنبر لم يعد يُنتج سياسة، أو حساب داخلي وإقليمي يرى أن الاشتباك يتم في الدوائر الثنائية والوساطات لا في الخطاب العام أمام كاميرات العالم.
سواء صحت هذه القراءات أو تداخلت، النتيجة واحدة: مصر حاضرة في النص وغائبة عن الصورة الرمزية لرأس الدولة في نظام دولي يُدار بالرموز قبل القرارات.،
الرمز له ثمن ولا أقصد مصر وحدها. نيجيريا وجنوب أفريقيا أيضاً لم يرسل رئيساً. أكبر ثلاثة اقتصادات أفريقية تكلّموا بالوكالة في أسبوع يُفترض أنه أسبوع القادة. أفريقيا تطلب مقعداً دائماً في مجلس الأمن، وتغيب عن أعلى منصة تُظهر أنها جديرة به.
اذن ما الذي تقوله المشاهد مجتمعة؟
الأمم المتحدة لم تنهار بعد. نحو مئة وثلاثين قائداً حضروا. لكن الوظيفة تغيّرت. القاعة صارت مسرحاً لثلاث رسائل متوازية لا تلتقي
رسالة القوة الأمريكية: نحن
نحسم ثم نطلب الاصطفاف
رسالة العزلة الإسرائيلية: نقاتل وسنقاتل ونخاطب ناخبنا حتى لو غادرت القاعة نصف الوفود احتجاجاً
رسالة الثنائية الصينية-الأمريكية: القرار الحقيقي في واشنطن لا في نيويورك.
ورسالة الدول المتوسطة، ومصر في قلبها: ندافع عن القانون والتعددية والإصلاح… من موقع من لم يعد يصدّق أن المنبر وحده يكفي.
التعددية لم تُلغَ بل تُفرَّغ. تُستخدم غطاءً بعد الفعل، أو منبراً للاحتجاج، أو منصةً للدول التي لا تملك ترف الغياب لأنها تحتاج الشرعية أكثر مما تحتاج العرض.
سؤال مصر هو ليس سؤال الغياب وحده ، ليس المطلوب أن يصعد كل رئيس كل عام كطقس. السؤال أعمق: هل تملك مصر مشروعاً تقوله بصوت رأس الدولة في اللحظة التي يتفتت فيها النظام، أم تكتفي بإدارة المخاطر من الصف الثاني؟
مصر ليست دولة هامش، لها ثقل سكاني وحضاري،
قناة السويس، الحدود مع غزة، الدور في السودان والبحر الأحمر، وليبيا، والوساطة التي لا تزال عواصم عدة تحتاجها.
هذا رصيد لا يُدار بالوكالة إلى ما لا نهاية إذا كان العالم يعيد ترتيب موائد القوة لا موائد الخطب.
الغياب قد يكون حكمة ظرف ولكن تكراره خمس سنوات يجعله سياسة. والسياسة تُقرأ، حتى حين لا تُعلن.
أما الجمعية العامة، فستظل تجتمع. وستظل الخطب تُلقى. لكن من أراد أن يفهم أين تُصنع الخرائط فلينظر هذا الأسبوع إلى خطين متوازيين: منبر نيويورك الذي امتلأ بالكلام وفرغ من بعض الكبار، وطاولة واشنطن التي جلس عليها من قرر أن نيويورك لم تعد تستحق محطة إضافية في الرحلة.
المنبر واحد. الرسائل مختلفة. ومن لا يقرأ الاختلاف يظن أن المنظمة مريضة فقط. الحقيقة أنها تكشف مرض النظام الدولي ، فالقوة عادت ثنائية أو أحادية، والشرعية الجماعية





