تعطي الأم وليدها قبل أن يعرف كيف يأخذ. في الدقيقة الأولى بعد الولادة يتدفق إليه عبر الحبل السري نحو ثلث دمه، إن أمهلناه دقيقة قبل أن نقطعه. لكن ما تعبره المشيمة طوال أشهر الحمل أثمن من الدم. إنها ذاكرة المناعة نفسها: أجسام مضادة صنعها جسد الأم في مواجهة أمراض عرفتها أو تطعّمت ضدها، تعبر إلى الجنين لتحرسه في أشهره الأولى. تلك أشهر يولد فيها الطفل أعزل، لا يقدر جهازه المناعي بعد على أن يدافع عنه.
وهنا سؤال بسيط في ظاهره، عميق في معناه: ماذا تحمل الأم في دمها لتورّثه لطفلها؟ وهل نترك الإجابة للمصادفة، أم نصنعها بوعي؟
قبل الحمل… حين يكون التوقيت هو الوقاية
أغلب الأسر في بلادنا تستعد للزواج بكل شيء: الشقة والأثاث والحفل والصور. أما الاستعداد الصحي للحمل فيأتي في آخر القائمة، إن جاء أصلًا. والحقيقة أن بعض أهم أسباب الحماية لا يمكن أخذها إلا قبل الحمل، لأنها لقاحات حية لا تُعطى للحامل.
أولها الحصبة الألمانية. مرضٌ يمر على الطفل أو البالغ كحمّى عابرة وطفح خفيف، لكنه إذا أصاب الأم في الشهور الأولى من حملها قد يترك في جنينها صممًا، أو ماءً أبيض على العينين، أو عيبًا في القلب، أو تأخرًا في النمو العقلي. تحليل دم بسيط يكشف إن كانت المرأة محصنة. فإن لم تكن، أخذت اللقاح وانتظرت شهرًا واحدًا قبل الحمل.
وثانيها الجديري المائي، الذي نظنه مرض طفولة بريئًا. هو عند الحامل قد يتحول إلى التهاب رئوي خطير، وقد يصيب الجنين بتشوهات، أو الوليد بعدوى شديدة إن أصيبت الأم قرب الولادة. والحل كذلك: تحليل، ثم جرعتان لمن لا مناعة لها، ثم انتظار شهر.
وثالثها الالتهاب الكبدي B، وهو في بلادنا قضية لا تحتاج تعريفًا. الفيروس الذي ينتقل من الأم لوليدها يستقر في كبد الطفل مزمنًا في الغالبية العظمى من الحالات، ليظهر بعد سنوات تليفًا أو ما هو أسوأ. ولقاحه آمن، ويمكن إكماله حتى لو بدأ الحمل أثناء جرعاته.
ويُضاف إلى ذلك لقاح فيروس الورم الحليمي للوقاية من سرطان عنق الرحم، إن لم تكن المرأة قد أخذته. ويُستكمل قبل الحمل لا أثناءه.
ومن الحكمة أن تبدأ زيارة الطبيب قبل الحمل بثلاثة أشهر على الأقل، ومعها يبدأ حمض الفوليك الذي يحمي الجهاز العصبي للجنين.
أثناء الحمل… ثلاث جرعات تحرس طفلًا لم يولد
يظن كثيرون أن الحمل وقت يُمنع فيه كل دواء وكل حقنة. والصواب أن هناك لقاحات يجب أن تأخذها الحامل، لأنها لا تحميها وحدها، بل تحمي طفلها بعد ولادته.
لقاح السعال الديكي (مع التيتانوس والدفتيريا) يُعطى في كل حمل، ويُفضل بين الأسبوع السابع والعشرين والسادس والثلاثين. السعال الديكي عند الكبار نزلة مزعجة، أما عند الرضيع في أسابيعه الأولى فقد يوقف تنفسه. وأول تطعيم يأخذه الطفل بنفسه لا يكون قبل شهرين، فمن يحرسه حتى ذلك الحين؟ تحرسه أمه بالأجسام المضادة التي عبرت إليه.
لقاح الإنفلونزا يُعطى في أي شهر من شهور الحمل، مع بداية موسم الشتاء. فالحامل أكثر عرضة لمضاعفات الإنفلونزا الشديدة، من التهاب رئوي إلى ولادة مبكرة. والرضيع لا يُطعّم ضد الإنفلونزا قبل ستة أشهر، فتكون أمه هي لقاحه الأول.
لقاح الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) هو أحدث الثلاثة، ويُعطى بين الأسبوع الثاني والثلاثين والسادس والثلاثين. هذا الفيروس من أكثر أسباب دخول الرضّع المستشفى بالتهابات الصدر الحادة. وقد خفّض اللقاح الحالات الشديدة بنحو أربعة أخماس في الشهور الثلاثة الأولى بعد الولادة.
وما تتجنبه الحامل هي اللقاحات الحية وحدها، كالحصبة الألمانية والجديري. ولهذا كان التوقيت قبل الحمل هو كل شيء.
بين الخوف والمعرفة
أعرف أن في مجتمعنا خوفًا قديمًا من «الحقنة في الحمل»، وأن بعض ما يُتداول على وسائل التواصل يزيد هذا الخوف ولا يبدده. والطبيب الذي فيّ يقول بوضوح: هذه اللقاحات دُرست على عشرات الآلاف من الحوامل حول العالم، وأعراضها في الغالب ألمٌ في موضع الحقن أو حرارة خفيفة تزول. أما ما تقي منه فقد يكون حياة طفل.
وحتى لو حدث حمل غير مخطط له بعد لقاح حي بأيام، فلا مبرر للفزع ولا لإنهاء الحمل. لم تُسجل السجلات الدولية حالة واحدة لتشوه ناتج عن اللقاح نفسه.
كلمة أخيرة
الوقاية في الطب ليست أقل شرفًا من العلاج، لكنها أقل بريقًا. لا أحد يشكر طبيبًا على مرضٍ لم يحدث، ولا أحد يحتفي بطفلٍ لم يدخل الحضانة لأن أمه تطعّمت. ومع ذلك، فهذه هي أنبل صور الأمومة: أن تحمي الأم طفلها من خطر لن يعرف أبدًا أنه كان يتهدده.
وأتمنى أن تدخل زيارة «ما قبل الحمل» في ثقافتنا كما دخل فحص ما قبل الزواج. وأن تتسع مظلة التطعيمات المجانية للحوامل، التي تقدم اليوم لقاح التيتانوس، لتشمل السعال الديكي والإنفلونزا. فالدولة التي تستثمر في جرعة قبل الميلاد توفر سريرًا في الحضانة بعده، والأمة التي تبدأ حماية أطفالها قبل أن يولدوا تكون قد فهمت أن المستقبل يُصنع في الرحم قبل أن يُصنع في المدرسة.
بريشة وقلم / حسام بدراوي





