بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

الأشجار والنخيل: بين زينة العيون وذاكرة المكان بقلم حسام بدراوي

حين نشاهد صفوف النخيل على جانبي الطرق، تتشكل صورة أنيقة مهيبة، كأنها أعمدة نور تُرشد العابرين. للنخيل جلاله الخاص، يذكرنا بالكرامة والعطاء والصبر على قسوة الطبيعة. لكنه – مهما بلغ جماله – يبقى ضيفًا جديدًا على المكان، جذوره قصيرة في الزمن وإن امتدت عميقًا في الأرض.
أما الأشجار العريقة، التي تجاوزت أعمارها عشرات السنين، فهي ليست مجرد خضرة أو ظلّ؛ إنها سجلّ حيّ للتاريخ. في جذوعها حكايات أجيال، وفي ظلالها تنفست المدن، وعلى أغصانها تعلّقت الضحكات والذكريات. إن سقوط شجرة عمرها نصف قرن لا يشبه فقدان نبات، بل يشبه فقدان شاهد على الحياة نفسها.
النخيل يمكن أن يُنقل من مكان إلى آخر، فيزين طريقًا جديدًا أو ميدانًا ناشئًا، أما الشجرة العتيقة فليس لها بديل. اقتلاعها ليس تغييرًا في المشهد، بل جرح في ذاكرة المكان، وكأن يدًا امتدت لتمحو فصلًا من كتاب المدينة.
أتخيل – كلما رأيت من يمد منشارًا ليقطع شجرة بدعوى بناء أو شق طريق – أنني أمام قاتل للتاريخ، يزهق روحًا صامتة عمرها عقود. مثل هذا الفعل لا يجوز أن يُترك بلا رادع، لأنه ليس ضد البيئة فحسب، بل ضد الضمير والهوية.
الأشجار العريقة هي معابد خضراء، لا تُبنى مرة أخرى إذا هُدمت. هي جدران صامتة تحفظ روح المدن، وأيادٍ حانية تمتد عبر الأجيال. حمايتها ليست خيارًا ثانويًا، بل واجب حضاري يساوي في قيمته حماية الآثار والعمارة القديمة.
فلنزرع النخيل لنزيّن، ولنحافظ على الأشجار لنصون الذاكرة. فالجمال لا يكتمل إلا حين يتعانق الجديد مع القديم، وحين تظل الجذور ممتدة، تشهد على أن الإنسان لا يعيش يومه فحسب، بل يعيش تاريخه أيضًا.
وأذكر القراء أن مصر بأشجارها القديمة جزء من هويتها التي تميزها عن دول كثيرة ناشئة.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى