بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب لـ«الموقع» الشرّ المُنظم (١)

كيف تتحالف السياسات مع القوة لتزييف الذاكرة وصناعة الهيمنة

مقدمة

هناك شرّ لا يقوم على الفوضى أو الانفعال، بل على التخطيط والقدرة على توظيف أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي لإعادة صياغة الحقائق وتوجيه الوجدان البشري. هذا الشرّ “العبقري” ليس معزولًا عن التاريخ؛ بل يكرّر أنماطًا عرفناها في القرن العشرين، ويستعيد جوهر النازية — لا في عدائها لليهود كما في الأصل، بل في أسلوبها القائم على الإبادة والهيمنة، ولكن هذه المرّة متقاطعة مع الصهيونية السياسية. هكذا نرى ما يمكن تسميته بـ”الهتلرية الجديدة” بيد بنيامين نتنياهو: مزيج من خطاب القوة المطلقة، وتبرير العنف، وصناعة روايات تُقلب الوقائع لصالح المشروع الاستعماري.

الذاكرة التاريخية كسلاح سياسي

منذ القرون الأولى للمسيحية، ارتبط اليهود في الوعي الغربي بجريمة صلب المسيح، وهي صورة ترسّخت عبر النصوص الكنسية والتقليد الشعبي. لكن التحوّلات السياسية والفكرية في أوروبا الحديثة، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، أفضت إلى إعادة صياغة هذه الذاكرة.

يقول المؤرخ جيمس كارول في كتابه Constantine’s Sword (2001) إن إعادة تأويل علاقة المسيحية باليهودية بعد المحرقة (الهولوكوست) كانت أداة مركزية لخلق “تصالح وجودي” جعل من انتقاد إسرائيل لاحقًا أمرًا شديد الحساسية. وهكذا تحوّل المسيحيون من موقع الخصومة التاريخية إلى موقع التحالف الكامل، بينما وُضع المسلمون في خانة “العدو الجديد”.

 

هذا الانقلاب في الرواية لم يكن عفويًا؛ بل جاء نتيجة شبكة معقدة من النفوذ الإعلامي والسياسي والدبلوماسي، حيث استُخدمت الذاكرة الجماعية للمحرقة كدرعٍ أخلاقي يبرّر ممارسات سياسية عدوانية في فلسطين والمنطقة. الباحث نورمان فنكلستاين في كتابه The Holocaust Industry (2000) يوضح كيف جرى توظيف ذكرى المحرقة سياسيًا واقتصاديًا، بعيدًا عن بعدها الإنساني الخالص.

النازية الجديدة: تقاطع مع الصهيونية

النازية الكلاسيكية قامت على أسطورة التفوق العرقي والعداء لليهود. أما النازية الجديدة التي نراها في سياسات نتنياهو وحكومات اليمين الإسرائيلي، فتقوم على نفس المنطق الهتلري:

* احتقار الآخر وتجريده من إنسانيته.
* تبرير القتل والإبادة الجماعية كـ”حماية للأمة”.
* تحويل القوة العسكرية إلى مصدر الشرعية الوحيد.
لكن هذه المرّة، الضحايا ليسوا يهود أوروبا، بل شعوب المنطقة — من الفلسطينيين إلى جيران آخرين مهددين بسياسات التوسع. بهذا المعنى، يلتقي منطق النازية والصهيونية السياسية في أدوات القمع والإبادة، رغم أن الأولى كانت تاريخيًا عدوة للثانية. إنها مفارقة تاريخية تكشف أن الاستبداد والعنف حين ينفلتان من أي قيمة إنسانية، يمكن أن يتحالفا ولو بعد عداوة.

نتنياهو: نموذج للهتلرية الجديدة

خطاب نتنياهو القائم على التخويف، واستثماره المستمر للهواجس الأمنية، وسياساته التوسعية، كلها تعكس صورة زعيم أسير أوهام السيطرة. يشبه المؤرخ إيان كيرشاو في دراسته عن هتلر (Hitler: A Biography, 2008) هذه النزعة بـ”هوس القوة” الذي لا يعترف بحدود، ويقود الأمة إلى دمارها الذاتي.

اليوم، يكرر نتنياهو المشهد ذاته: إعلاء السلاح على الدبلوماسية، الكراهية على التعايش، والاستبداد على التعدد.

أدوات “الشر العبقري”

1. الإعلام العالمي: القدرة على صياغة الرواية بحيث يُقدَّم العدوان كـ”دفاع مشروع”.
2. الاقتصاد والمال: شبكة مصالح تجعل انتقاد إسرائيل مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.
3. القانون الدولي المعلَّق: توظيف الفيتو الأميركي لتعطيل أي محاسبة، مما يجعل الجرائم بلا عقاب.
4. إعادة تعريف الضحية والجلاد: حيث يُقدَّم الفلسطيني المقهور كمعتدٍ، والمحتل المسلح كضحية.
البدائل العربية والإسلامية

مواجهة هذا المشروع لا تكون بالخطابات وحدها، بل ببناء استراتيجيات متماسكة:

* تفعيل السوق العربية المشتركة وفق خطة زمنية صارمة، ما يجعل النفوذ الاقتصادي أداة مقاومة.
* تنويع مصادر السلاح لكسر التبعية لواشنطن.
* العمل الدبلوماسي والقانوني عبر المحاكم الدولية لإعادة تعريف الرواية عالميًا.
* حملات إعلامية محترفة تواجه السردية الصهيونية بخطاب إنساني وواقعي.
* تحالفات استراتيجية مع قوى إقليمية كتركيا، ومع قوى عالمية كالصين وروسيا.
خاتمة

إن “الهتلرية الجديدة” التي يمثلها نتنياهو تكشف أن التاريخ يعيد إنتاج شروره حين يغيب الوعي الجمعي ويتشتت الفعل السياسي. لكن الردّ لا يكون بكراهية مضادة، بل ببناء مشروع حضاري مضاد: مشروع يوازن القوة بالحق، والسياسة بالقيم، والمصلحة بالعدالة.

التاريخ واضح: من يسير على خطى هتلر، ولو بوجه جديد، لا ينجو من المصير ذاته.

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى