بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

اعادة النظر في قانون الاجراءات الجنائية هل نشهد تحولًا في فلسفة إدارة الدولة المصرية؟ بقلم حسام بدراوي

اعادة النظر في قانون الاجراءات الجنائية
هل نشهد تحولًا في فلسفة إدارة الدولة المصرية؟
بقلم
حسام بدراوي
في النظام الدستوري المصري، لا يصبح أي قانون نافذًا إلا بعد أن يقرّه مجلس النواب ثم يُعرض على رئيس الجمهورية. فإذا وافق الرئيس ووقّع، يُنشر القانون في الجريدة الرسمية ويبدأ العمل به. أما إذا اعترض، فيُعاد القانون إلى البرلمان لإعادة النظر. هذه الفلسفة تقوم على فكرة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية: فالبرلمان يعبّر عن الإرادة الشعبية، بينما الرئيس يتحمل مسؤولية الحفاظ على المصلحة العامة والأمن القومي. والاعتراض الرئاسي ليس تعطيلًا للتشريع، بل أداة لضمان أن تأتي القوانين متوازنة، متوافقة مع الدستور، وقابلة للتطبيق العادل.
في توقيت بالغ الحساسية تمر به الدولة والمنطقة، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب، مصحوبًا باعتراضات رسمية على بعض مواده، وخاصة تلك المتعلقة بالحريات العامة وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المتهمين. وقبل الحوار حول هذا ، أود أن أوضح حسبما أفهم وأنا لست قانونيا قرائتي للموضوع.
ما هو قانون الإجراءات الجنائية؟
قانون الإجراءات الجنائية هو القانون الذي ينظّم كيف تُطبَّق العدالة الجنائية في مصر. هو لا يحدد الجرائم والعقوبات (هذا دور قانون العقوبات)، بل يحدد:
كيف تبدأ الدعوى الجنائية (البلاغ والتحقيق).
صلاحيات النيابة العامة والشرطة في القبض والتحقيق.
حقوق المتهم أثناء المحاكمة.
ضمانات الدفاع.
مدد الحبس الاحتياطي.
كيفية تنفيذ الأحكام.
بمعنى آخر: هو القانون الذي ينظم الطريق من لحظة الاتهام وحتى صدور الحكم، ويوازن بين حق الدولة في حفظ الأمن وحق المواطن في محاكمة عادلة.
لماذا أعاد الرئيس القانون إلى البرلمان؟
بحسب ما فهمت وما يتسرب من مناقشات، فالاعتراضات الرئاسية تركزت على مواد تخص:
الحبس الاحتياطي حيث أن هناك مواد في التعديلات تسمح بمدّ فترات الحبس الاحتياطي أو تجعلها فضفاضة. الرئيس اعترض على ذلك، باعتباره قد يمس بحقوق المواطنين، خاصة أن الحبس الاحتياطي في الأصل احتراز وليس قاعدة.
الضمانات القضائية وأهميتها حيث أن بعض المواد منحت سلطات واسعة لجهات التحقيق على حساب القضاء.الاعتراض الرئاسي جاء لحماية مبدأ الفصل بين السلطات وضمان رقابة قضائية حقيقية على كل إجراء.
حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة حيث كانت هناك صياغات قد تؤدي لتقليص فرص المتهم في الدفاع أو الاستئناف. الرئاسة شددت على أن المحاكمة العادلة ركن أساسي لا يمكن التفريط فيه.
الخلاصة للقارئ غير المتخصص أن قانون الإجراءات الجنائية هو “دستور العدالة الجنائية” ، ولكن علينا أن نفهم أن تعديله مهم لأنه يُطبّق يوميًا على آلاف القضايا والمواطنين.
الرئيس أعاده للبرلمان لأنه رأى أن بعض المواد قد تضر بحقوق المواطنين أو تضعف ضمانات المحاكمة العادلة.
السياق السياسي :
إعادة الرئيس لقانون الإجراءات الجنائية إلى البرلمان مع اعتراضات واضحة على المواد المتعلقة بالحقوق والحريات، ليست مجرد خطوة إجرائية، بل هي إشارة سياسية في توقيت بالغ الحساسية. الداخل، رغم استقراره الشكلي، إلا أن هناك مظاهر عدم رضا متعددة ، و المنطقة تغلي بفعل حرب غزة والضفة، والمخاوف من ارتدادات أمنية داخلية قائمة. في الوقت نفسه يتزايد الضغط المحلي و الدولي على مصر لتحسين ملف حقوق الإنسان. هذا التداخل بين الداخل والخارج يجعل أي خطوة تشريعية محمّلة بمعانٍ تتجاوز نصوص القانون.
القراءة السطحية قد تضع الخطوة في إطار التوازن التقليدي بين الأمن والحريات. لكن الاعتراض الرئاسي على مواد تخص الحبس الاحتياطي وضمانات المحاكمة العادلة، يوحي بأن مؤسسة الحكم بدأت تلتفت إلى تكلفة استمرار السياسات القديمة على سمعة الدولة ومكانتها الدولية، بل وربما على استقرارها الداخلي على المدى الطويل. وكأن الرئاسة ترسل رسالة مزدوجة: أمن قومي بلا تفريط، لكن أيضًا دولة قانون بلا تجاوز.
فهل هذا تحول في فلسفة إدارة الدولة؟!!
الاحتمال الأول: أن تكون هذه مجرد مناورة سياسية لامتصاص الضغوط، دون تغيير جوهري في فلسفة الحكم. أي استمرار المعادلة القديمة: استقرار مقابل تقييد الحريات، مع بعض التجميل التشريعي.
الاحتمال الثاني: أن يكون النظام قد أدرك أن الشرعية الداخلية لا تُبنى فقط على القبضة الأمنية، بل على ثقة المواطن في عدالة القانون. عندها يمكن أن يمثل هذا الاعتراض بداية انتقال تدريجي من دولة “الإجراءات الاستثنائية” إلى دولة “التوازنات الدستورية”.
الاحتمال الثالث: أن تفتح هذه الخطوة الباب لإعادة إعلان حالة الطوارئ بشكل مؤقت بحجة الظرف الإقليمي، وهو ما سيؤكد أن الفلسفة الحاكمة لا تزال ترى في الأدوات الاستثنائية خط الدفاع الأول.
عندي قلق مشروع وتجربة شخصية. فمن اللافت أن توجهات الرئاسة تعلن بين الحين والآخر رغبتها في إتاحة مساحات أوسع لحرية التعبير، بل إن الرئيس نفسه صرح بذلك أكثر من مرة.
غير أنني، كمراقب ومواطن، لا أرى لهذه التوجهات انعكاسًا حقيقيًا على أرض الواقع في مجال حرية النشر والإعلام، حيث ما زالت القيود قائمة والهوامش ضيقة. وأقول هذا رغم أني أتمتع بحرية شخصية في التعبير عن آرائي، حرية يحسدني عليها كثيرون داخل مصر وخارجها، لكنها تبقى استثناءً لا يعكس القاعدة العامة.
لكن هذه المرة فإنه يتدخل في صلب الموضوع قبل صدور قانون قد يؤثر علي حقوق المواطنين في إجراءات يصعب الرجوع عنها.
الدلالات المستقبلية ستظهر في جلسة البرلمان في أكتوبر حيث ستكون اختبارًا لمدى صدق هذا التحول. البرلمان تحت سيطرة أجهزة الدولة ، فإذا جاءت التعديلات التشريعية جوهرية، تحمي المواطن من تغوّل السلطة التنفيذية، سنكون أمام مؤشر على بداية فلسفة جديدة: دولة تعتبر أن أمنها القومي لا ينفصل عن أمن مواطنيها القانوني والحقوقي. أما إذا غلبت الحسابات الأمنية، فإن الرسالة ستكون استمرار فلسفة الدولة الأمنية، مع تحسينات شكلية فقطً بالرغم من رغبة الرئيس.
المشهد إذن مفتوح على احتمالات متناقضة: بين إعادة إعلان حالة الطوارئ أو انبلاج إصلاح قانوني يفتح مسارًا جديدًا. لكن المؤكد أن مصر تقف أمام منعطف مهم، ليس فقط في مسار تشريع قانون الإجراءات الجنائية، بل في فلسفة إدارتها لعلاقة الحرية بالأمن، والمواطن بالدولة.
—————————
سأعطي مثالاً بالحبس الإحتياطي
الحبس الاحتياطي هو إجراء ( احترازي ) و ليس( استثنائي ) أي لا يؤدي إلى أي استثناء من قاعدة أن ( المتهم برئ حتى تثبت ادانته).
و لكنه يصدر ( احترازا ) من وقوع أفعال قد تكون أحياناً ضارة بالمتهم نفسه مثل التخوف عليه من انتقام الخصوم في القضايا الثأرية ، أو ظروف خاصة بالقضية مثل التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة ، أو الهرب خارج البلاد.
و الحبس الاحتياطي قرار مؤقت بطبيعته و مقيد بأربعة أيام حين يصدر من النيابة العامة ثم يعرض المتهم على قاضي الأمور المستعجلة الذي قد يرى الأمر باستمرار الحبس لمدة خمسة عشر يوماً لاسباب محددة. و لا تتجاوز إعادة العرض و مدة الحبس الاحتياطي الكلية خمسة و اربعين يوماً بعدها لابد من توجيه الاتهام و إلاحالة للمحكمة المختصة وهو للأسف ما لا يحدث في مصر.
هل منع وضوح القانون التجاوز في حقوق المتهمين ؟؟!!
الإجابه لا.
المشكلة ليست في إجراءات الحبس الاحتياطي الحالية و دواعيه الاحترازية بضوابطها، المشكلة في تلاعب جهات الضبط و جهات التحقيق بأساليب تبدو في ظاهرها قانونية و هي في الحقيقة مفتعلة و تحكمية و انتقامية و مقيدة للحقوق و الحريات.
وكثير من ذلك سببه يبدأ سياسيا
لعدم استقلال مؤسسة العدالة عن السلطات الأمنية وقد يتطور اليً ما هو اكثر من ذلك.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى