المصري اليومبقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

بلاغة السكوت وخيانة الصمت بقلم حسام بدراوي

فى عالم يضجّ بالضوضاء، ويُقاس فيه الحضور بالصوت العالى والصراخ، يغدو الصمتُ أحيانًا خيارًا لا يقدر عليه إلا مَن فهم عمق الحياة. فالصمت ليس غيابًا للكلام، بل حضورٌ من نوعٍ آخر… حضورٌ محمَّل بالمعنى، ومشحون بالتأمل.
ليس كل ساكت غائب، ولا كل متكلم حاضر، فثمة صمت يملأ المكان بحضوره، يفرض هيبته دون صوت، ويوقظ فينا مناطق من التفكير لم تطأها الكلمات من قبل. ولأن الصمت أحيانًا أصدق من التعبير، فقد اختاره الحكماء والأنبياء والمتصوفة وسيلة للإفصاح لا للكتمان.
فكرت فى حقيقة أن للصمت أشكالًا ومعانى، منها:
صمت الحكمة
هو الصمت الذى يأتى من الوعى والاتزان، حين يعرف المرء أن ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال يُفهم. صمتُ الحكيم فى المجالس، لا يدل على جهل، بل على استغناء. هو الصمت الذى يُنصت، لا يصمت؛ يراقب، لا يغيب.
صمت القوة
فى بعض المواقف، يكون الصمت هو الرد الأقوى. أن تختار ألا تنحدر إلى مستوى مَن يهاجمك أو يستفزك، هو تعبير عن سيادة داخلية. هذا الصمت لا ينبع من عجز، بل من عزَّة. يشبه وقوف الجبل أمام العاصفة: لا يتكلم، لكنه باقٍ فى مكانه، صامدًا.
صمت التأمل
هو الصمت الذى نحتاجه لنصغى إلى أنفسنا. فى لحظات الوحدة، حين يُسكت العقلُ صخبه، ينبت فينا فهم جديد. هذا هو صمت الفلاسفة، والروَّاح، والعشاق الذين تجاوزوا اللغو، وباتوا يبحثون عن الجوهر لا القشرة.
صمت المحبّ
فى لحظات الحبّ العميق، تسقط اللغة. يكتفى العاشقان بنظرة، بإيماءة، بصمت مشترك. فى هذا الصمت لغة خاصة، لا تُدرَّس فى المعاجم، لكنها تُفهم بالروح. إنه صمت مكتمل، فيه راحة، لا فراغ.
صمت الوجود
حين تقف أمام مشهد عظيم — غروب الشمس، موت عزيز، ميلاد طفل، قد تشعر أن الكلمات تَفِرُّ من فمك. هذا صمت الدهشة أمام الوجود. إنه صمت لا تفرضه أنت، بل تفرضه الحياة عليك… احترامًا لجلال اللحظة.
هذا الصمت فى جوهره دعوة للتفكر، للتواضع، للاستماع الحقيقى والدهشة.
إننا نحتاج أن نتعلّم فنّ الصمت كما نتعلّم فنّ الخطابة، لأن الصمت ليس ضعفًا عن الكلام، بل اختيار للكلام الأهم.
الصمت درجات، وألوان، وأمزجة. ليس حيادًا دائمًا، ولا تقوقعًا بالضرورة. هو فنٌ إنسانى عميق، لا يحسنه إلا مَن تعلّم أن يُنصت للعالم دون أن يغرق فى ضجيجه، وأن يُصغى لنفسه دون أن يضيع فيها.
فاختر صمتك بعناية… فكما أن للكلمات حسابًا، فإن للصمت كرامة، وأحيانًا… رسالة.
فهل نستطيع نحن، فى عالم يفرض علينا الكلام حتى فى التفاهة، أن نمارس صمتًا واعيًا؟ صمتًا يحررنا من الضجيج الخارجى والداخلى، ويعيدنا إلى أنفسنا؟
الصمت، كما أراده الحكماء، ليس عزلة عن العالم، بل اتصال أعمق به… بلغة لا تُكتب، ولا تُنطق، لكنها تُفهم.
ولكن ما يشغلنى هو صمت القهر بين الحكمة والتواطؤ. فللصمت وجهٌ آخر، هو صمت المقهورين، الذين لا يُسمح لهم بالكلام، أو يخافون من تبعاته. هو صمتٌ ثقيل، يُبقى الحقيقة خلف جدار الخوف. هذا الصمت ليس فضيلة، بل علامة على مرضٍ فى المجتمع أو السلطة أو العلاقة بينها وبين المجتمع.
وبالرغم من مقدمتى، إلا أن ليس كل مَن يصمت، حكيمًا، ولا كل مَن يخرس، مظلومًا. فثمة صمتٌ يولد من الخوف، من القمع، من اليأس، من الإحساس بعبث المقاومة، نسميه صمت القهر… وهو الصمت الذى يُفرض على الألسنة، ثم يتسلل إلى الضمائر، حتى تصبح العبودية عادة.
فى هذا الصمت، يُختطَف الحقّ، ويُسرق الوعى، وتُغتال الحقيقة فى وضح النهار. إنه الصمت الذى يخيّم على المجتمعات حين يتوحَّش السوق، أو تنتشر الرداءة كقيمة، أو تتغوَّل السلطة، فيعجز الناس عن قول “لا”، حتى فى داخلهم.
لكن المأساة لا تكمن فقط فى صمت الفقراء أو المقهورين، بل فى صمت النخبة.
فحين تتواطأ النخبة بالصمت، يصبح الصمت حكمة زائفة. حين تصمُت العقول، ويخرس المفكر، ويتوارى الفنان، ويهادن القاضى، ويبرر الصحفى، ليس لأنهم لا يعرفون، بل لأنهم لا يريدون أن يعرفوا… فإنهم لا يمارسون الصمت الحكيم، بل يشتركون فى الجريمة.
«إن أسوأ ما فى الرقابة ليس أن تمنعك من الكلام، وتفرض عليك الصمت، بل أن تُعلّمك أن تُراقب نفسك، فتختار أنت أن تصمت».
فى لحظة كهذه، لا يكون الصمت حكمة، بل خيانة للمعنى، وخذلانٌ للشعوب، وهروبٌ من المسؤولية. بل هو، فى بعض الحالات، شكل من أشكال الاستبداد الرمزى، حيث تتحول النخبة إلى مرآة ناعمة تعكس القبح… دون أن تنطق بكلمة.
ورغم ذلك، علينا أن نكون منصفين، فأحيانًا يصمت المقهور لأنه لا يملك إلا الصمت. لأنه لو تكلّم، فُصِل، أو سُجن، أو كُسِرت روحه. هنا لا نلوم الضحية، بل نحاسب السياق. وهذا الصمت، حين يُحمَل فى القلب، قد يصبح جمرة وعى، ويتحوّل مع الوقت إلى قوة كامنة، تنتظر لحظة الانفجار أو الخلاص.
وهنا يكمن الفارق بين صمت وصمت. صمت النخبة المتواطئة هو اختيار مريح وضرره كبير. صمت المقهور الواعى هو وجع يقاوم الانكسار.
الصمت لا يُدان ولا يُمدَح فى ذاته، بل بحسب نيّته وأثره:
■ حين يُستخدم للهروب من قول الحق، فهو جبن.
■ حين يُوظف لحماية النفس دون خيانة الضمير، فقد يكون حكمة.
■ وحين يصير ستارًا لخيانة الجماعة أو تأييد الباطل… فهو تواطؤ يستحق الفضح.
والمجتمعات لا تنهار حين يصرخ المظلومون، بل حين يصمت القادرون على قول الحق.

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى