
في مناخ تختلط فيه المفاهيم وتتبدل فيه المعايير، يصبح من الضروري أن نعيد التذكير بالبدهيات التي فقدت بداهتها: أن الحكم وظيفة، لا منّة. وأن إنجازات الحاكم ليست هبة يُشكر عليها، بل واجب يُسأل عنه.
كثيرًا ما نُتهم بأننا لا نرى إلا العيوب، وكأن الاعتراف بالإيجابيات لا يكتمل إلا بالصمت عن السلبيات. ولكن النقد المسؤول، في جوهره، هو وجه من أوجه الولاء للعقل، والاحترام الحقيقي للمصلحة العامة. لأن من يُحب وطنه، لا يُجامله حين يراه على حافة خلل، بل يصيح ليوقظه.
أسوأ ما تبتلى به النظم الحاكمة هو الاعتقاد بأن ما تحققه من إنجازات يخولها امتلاك المستقبل، وأنها بذلك تستحق تأبيدًا أو امتيازًا خاصًا، كما لو أن خدمة الوطن فضلٌ يُمنّ على الناس. والحقيقة التي تغيب أحيانًا عن كثير من مؤسسات الحكم أن اختيارها لم يكن من باب التكريم، بل من باب التكليف.
الحكومة، في تعريفها الجوهري، هي جهاز تنفيذي مؤتمن على تنفيذ السياسات العامة، وخادم للمصلحة الوطنية العليا. وحين تقول: “لقد حميت البلاد من الفوضى”، فإنها في الحقيقة تصف أحد أدوارها لا فضلها. هل نشكر الطبيب لأنه لم يقتل مريضه؟ أم نمنح الشرطي أوسمة لأنه لم يطلق النار على الأبرياء؟ أم نُخلّد القاضي لأنه لم يظلم؟
هكذا تنقلب المعايير حين يتصور النظام أن بقاءه هو هدف في ذاته، وأن إنجازه هو مبرر لحجب النقد، أو لوأد التعددية، أو لاستمرار السلطة دون مساءلة. والأسوأ حين يُطلب من الناس الشكر والامتنان على ما يُفترض أنه التزام، وكأن المواطن مدين للنظام بحياته، لا العكس.
إن اختلال ميزان العلاقة بين الحاكم والمحكوم يبدأ حين يتحول الحاكم من موظف عند الشعب إلى قيّم عليه، ومن مسؤول يُحاسب إلى أبٍ يُطاع. وحين تُصبح أصوات النقد مؤامرة، والمعارضة خيانة، يفقد النظام اتزانه الداخلي، ولو بدا قويًا في ظاهره.
المطلوب إذًا ليس أن تتوقف الحكومات عن الحديث عن إنجازاتها، بل أن تتذكر أن هذه الإنجازات ليست بطاقة ضمان للاستمرار، بل مجرد خطوة على طريق دائم من المحاسبة والمراجعة. وأن شرعيتها ليست موروثة، ولا مضمونة، بل تتجدد كل يوم برضا الناس عنها، وبقدرتها على احترام عقولهم، لا فقط إدارة شؤونهم.
فاحترام الشعوب لا يُشترى بالإنجازات فقط، بل بالموقف من الحرية، من الكرامة، من النقد، من الرأي الآخر، من الحقيقة.

