
النادي الأهلي في مصر ليس مجرد مؤسسة رياضية، أو فريق كرةٍ يملأ القلوب فرحًا بانتصاراته، بل هو في جوهره ظاهرة اجتماعية تمثّل ملامح الشخصية المصرية بكل ما فيها من تنوّع وتناقضات ممثلة لخلاصة الوجدان المصري.
الأهلي يجتمع داخله أبناء كل الطبقات والطوائف والمناطق، يحملون انتماءً وجدانيًا يتجاوز حدود الرياضة إلى ما يشبه الانتماء الوطني.
ولذلك، فإن ما يحدث داخله – في انتخاباته، وصراعاته، وولاء جماهيره – يمكن قراءته كصورة مصغّرة للمجتمع المصري نفسه.
النادي الأهلي يمثل التجمع الشعبي الأكبر، الذي تتقاطع داخله الانتماءات الطبقية والطائفية والمناطقية لتذوب في هويةٍ واحدة اسمها “الأهلي”. لذلك يمكن أن يُقرأ ما يجري داخله كمرآة للمجتمع كله، وكأننا أمام نموذج مصغّر للوطن نفسه. المشهد الراهن:أُعلن مؤخرًا أن الكابتن محمود الخطيب، رئيس النادي، لا ينوي الترشح لدورة جديدة، وهو موقف يستحق الاحترام لما فيه من نُضج وإدراك لسنن التداول والتجديد خاصة وان صحته ليست علي ما يرام.
إن النظام في انتخابات الأندية بعد ثورة يناير، يمنع بقاء رؤساء الأندية في المنصب أكثر من ثلاث دورات فقط أنا شخصيا أحب الخطيب وأغلب أعضاء مجلس الإدارة أصدقائي وأري فيهم وفي غيرهم مؤهلين لقيادة النادي في المرحلة القادمة ولكن بمجرد إعلان الخطيب عدم ترشحه دورة ثالثة، بدأ الضغط عليه ليبقى، ليس حتى عبر منافسة ديمقراطية، بل من خلال “التزكية”، أي تعطيل فكرة التغيير من الأساس.
المفارقة أن الذين يشكون من طول بقاء الحاكم في مصر، هم أنفسهم الذين يعملون على إقناع رئيسهم المحبوب بالبقاء.
إنها مفارقة نفسية وثقافية تستحق التأمل. هذه الظاهرة ليست خاصة بالنادي الأهلي، بل هي انعكاس لثقافة أوسع في المجتمع المصري؛ ثقافة الاستقرار المزيف، التي تخلط بين الاستقرار واستمرار نفس الوجوه. إنها ناتجة من خوفٍ متجذّر من المجهول، ومن انعدام الثقة في البدائل.
يؤمن المصري بأن “اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش”، فيتحول هذا المثل الشعبي إلى سياسة عامة، وإلى نمط متكرر في المؤسسات الكبرى من النقابات إلى الجامعات، ومن الأحزاب إلى الرياضة، وصولًا إلى الدولة نفسها.
في علم النفس الاجتماعي، تُسمى هذه الظاهرة “الاعتماد الجمعي على السلطة المألوفة”، حيث يبحث الناس عن الأمان في استمرارية القيادة ذاتها، حتى لو كانت متعبة أو لم تعد قادرة على التطوير.
ويغيب عن الوعي الجمعي أن التغيير ليس نكرانًا للجميل، بل هو شرط النمو. وعندما يصبح البقاء هو القيمة العليا، يختنق الإبداع، ويتحول الولاء من الفكرة إلى الشخص، ومن المبدأ إلى الرمز.
من الأهلي إلى الوطن:ما نراه في الأهلي ليس شأنًا رياضيًا فقط؛ بل هو تمرين اجتماعي على كيفية ممارسة السلطة في مصر. الذين يرفضون دوام السلطة في النادي أو المجتمع هم أنفسهم الذين يبررون استمرار الحاكم في السلطة. والذين يقدّسون الرمز الرياضي، هم الذين يصنعون حول الزعيم السياسي هالةً من العصمة.
إنها سلسلة واحدة من الخوف – من المجهول، من الفوضى، من أن يكون البديل أسوأ – لكنها في جوهرها خوف من الحرية نفسها. حين نحرّر وعينا من هذا الخوف، سنفهم أن التغيير ليس هدمًا، بل دورة حياة طبيعية.
وأن حبنا لرئيس ما لا يُختبر ببقائه، بل بقدرتنا على احترام إرادته، واحترام قدرتنا على الاختيار والإيمان أن الأهلي – مثل مصر – لا يتوقف على فرد، مهما كان قدره. إن التجديد هو ضمان البقاء، لا نقيضه. ليست المشكلة في الأشخاص، بل في الفكرة التي تحكم نظرتنا إليهم.
إن الخوف من البديل هو ما يجعلنا أسرى للزمن ذاته، نعيد المشهد نفسه في السياسة كما في الرياضة، في الجامعة كما في الدولة. وعندما نكسر هذا الخوف، سنكتشف أن التغيير ليس تهديدًا، بل قانون حياة.
فالأهلي – مثل مصر – لا يقوم على فرد، بل على فكرة. ومن آمن بالفكرة لا يخشى أن تتجدّد الوجوه التي تحملها.فليكن النادي الأهلي مدرسةً في تداول القيادة لا مرآةً لجمودها. عندها فقط، سنبدأ حقًا في بناء ثقافة جديدة للوطن.

