بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع ايجبتك

 د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» .. مأزق البرلمان القادم وكيف نخرج منه؟

هذا المقال هو رؤية لإصلاح المسار وإنقاذ الشرعية التشريعية في مصر.

تدخل مصر إلى استحقاق انتخابات مجلس النواب 2026 وهي محمّلة بأزمة سياسية صامتة يعرفها الجميع ويتجاهلها الجميع في آن واحد. أزمة لا تتعلق فقط بآليات التصويت أو شكل النظام الانتخابي، بل بالشرعية نفسها: شرعية التمثيل، وشرعية المشاركة، وشرعية الدولة حين تُفرغ مؤسساتها من جوهرها.

طبيعة المأزق هي انتخابات بلا منافسة، وبرلمان بلا تمثيل.على الورق، لدينا دستور، وقانون انتخابي، واستحقاق برلماني كل خمس سنوات.أما في الواقع، فالمشهد مقلوب:

القائمة المطلقة المغلقة أصبحت عمليًا تعيينًا مستترًا لنصف البرلمان.هناك قائمة واحدة تُعدّها جهات أمنية.من ينضم إليها قد يضطر الي  دفع ملايين الجنيهات، لا يُعرف مصدرها ولا وجهتها.لا منافسين، ولا فرصة للاختيار، ولا معنى للتصويت.

الانتخاب الفردي فقد جوهره.المرشحون لا يدخلون السباق إلا بعد موافقات السلطة التنفيذيةالدوائر واسعة إلى حد ينسف معنى العلاقة بين الناخب وممثله.

وفي حالات عديدة يتم إسقاط أي مرشح يحاول خوض الانتخابات دون إذن مسبق.استحالة التوافق الدستوري لأن الدستور الحالي وضع شروطًا شبه مستحيلة لأي حزب:نسب إلزامية للمرأة والشباب والأقباط وذوي الإعاقة.ترتيبات معقدة تجعل أي قائمة حزبية وطنية حقيقية غير قابلة للتشكيل إلا لو كانت السلطة التنفيذية وراءها .

بهذه المعادلة، نحن بصدد برلمان نصفه مُعيَّن عبر قائمة واحدة، ونصفه مُصمَّم لتتنافس فيه أسماء مختارة سلفًا.وهذا يُنتج مؤسسة شكلية لا تملك شرعية التمثيل ولا القدرة على التشريع ولا الجرأة على الرقابة.إنه مأزق دولة، لا مأزق انتخابات.

ما الحل؟

الحل، إذا أردنا الاعتراف بالواقع، لا يمكن أن يأتي من “تحسين” الإجراءات، ولا من “تطوير الرقابة”، لأن أصل الأزمة في قواعد اللعبة نفسها.

ولذلك فإن الحل المنطقي – وربما الوحيد – هو: تعليق الانتخابات لمدة ستة أشهر أو سنه.هذا ليس تعطيلًا للديمقراطية، بل حمايةً لها من الشكلانية القاتلة.

تُمدّ مدة البرلمان الحالي من يناير إلى يونيو 2026، بقرار دستوري استثنائي، بهدف:إتاحة الوقت لإعادة صياغة النظام الانتخابي.تجنب الدخول في انتخابات معدّة سلفًا، لا تحقق أي مصلحة وطنية.الحفاظ على استقرار الدولة بدل إنتاج برلمان عاجز لخمس سنوات جديدة.

تعديل النصوص الدستورية المتعلقة بنظام الانتخاب:التعديل المطلوب واضح ومباشر:

أ- إلغاء القائمة المطلقة المغلقة واستبدالها بنظام القائمة النسبية المفتوحة أو المغلقة نسبيًا،وهو النظام الذي يعمل به معظم العالم الديمقراطي، ويُتيح تمثيلًا متوازنًا ويمنع الاحتكار.

ب- إلغاء أو تخفيف الحصص الإلزامية للفئات حيث لا  يمكن لدستور أن يفرض على الأحزاب نسبًا محددة للشباب والنساء والأقباط وذوي الإعاقة داخل كل قائمة.هذه النسب – رغم حسن النية – تُعطّل إمكانية تكوين قوائم حقيقية.يُستعاض عنها بقواعد تشجيعية أو نسب استرشادية.

ج- إعادة رسم الدوائر الفردية ليعود النائب قادرًا على التواصل مع ناخبيه بشكل طبيعي، بدلًا من الدوائر الضخمة التي تُفقد العملية معناها.

هذا يستلزم إجراء استفتاء شعبي على التعديلات، فالدستور المصري يشترط الاستفتاء لأي تعديل يمسّ بنية السلطة التشريعية.وعليه، لا بد من:صياغة التعديل.مناقشته مجتمعيًا وسياسيًا.عرضه في استفتاء شعبي في بداية 2026.ثم إجراء انتخابات برلمانية جديدة في منتصف العام نفسه.الأسئلة الدستورية الجوهرية… من يملك حق تمديد البرلمان؟

أمام هذا الحل، تظهر الأسئلة التي لا بد من طرحها بوضوح:هل يمكن دستوريًا تمديد مدة البرلمان؟نعم، ولكن فقط عبر تعديل دستوري صريح يحدد مدة التمديد والغرض منه.فالمدة الدستورية ثابتة، ولا يمكن المساس بها دون تعديل.اذن من يملك سلطة تعديل الدستور؟وفقًا للدستور الحالي:رئيس الجمهورية، أوخُمس أعضاء مجلس النوابيمكن لأي منهما طلب التعديل.ثم يُناقَش داخل البرلمان، ويُحال إلى استفتاء شعبي للموافقة.

هل يملك الرئيس سلطة منفردة في تأجيل الانتخابات؟لاالتأجيل أو التمديد يتطلب نصًا دستوريًا جديدًا ، فالمهلة الدستورية لإجراء الانتخابات مُلزِمة، ولا يجوز تجاوزها إلا بتعديل.هل يمكن تمديد مدة مجلس النواب الحالي دون استفتاء؟لا.أي مساس بمدة المجلس يقتضي تعديلًا دستوريًا، وبالتالي استفتاءً.لماذا هذا الحل هو الأقل كلفة والأكثر عقلانية؟

لأن البديل هو الآتي:إنتاج برلمان فاقد للشرعية والفعالية لخمس سنوات جديدة.خنق الحياة السياسية تمامًا.تكريس عزلة السلطة التشريعية عن المجتمع.فتح الباب لعدم استقرار سياسي واجتماعي على المدى المتوسط.

أما الحل المقترح فيُحقق:احترام الدستور من خلال تعديل معلن وشفاف.إعادة بناء الحياة السياسية على قواعد قابلة للتطبيق.مشاركة المجتمع في تحديد شكل البرلمان القادم.حماية الدولة من مأزق مؤسسي طويل الأمد.إن الإصلاح لابد منه  قبل الانهيار لا بعده.ليس الهدف من هذا الطرح تعطيل مؤسسات الدولة، بل إنقاذها.وليس المقصود تفريغ الانتخابات من مضمونها، بل إعادة المعنى إليها.

فالديمقراطية ليست صندوقًا نضع فيه أوراقًا، بل عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن صوته له قيمة، وأن ممثليه يعبرون عنه لا عن جهات أخرى.مدّ فترة البرلمان ستة أشهر، وإعادة بناء النظام الانتخابي عبر تعديل دستوري واضح، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.فالبرلمان القادم لن يكون مؤسسة عابرة لخمسة أعوام، بل ركيزة توازن في دولة تحتاج كل أدواتها لتجاوز المرحلة المقبلة بأمان وتعقّل.

الآن نصل  الي الأصعب وهو كيف يمكن اجراء ذلك الاقتراح بتعديل دستوري عاجل خلال أسابيع؟الانتخابات الشكلية تُضعف صورة الدولة وتزيد الضغوط الخارجية.بل ان في هذا الوضع تهديد استقرار السلطة نفسها، حيثأزمات صغيرة تتحول إلى أزمة نظام في ظل غياب التوازن المؤسسي و انفصال الدولة عن المجتمع يؤدي اليً احتقان صامت، وفقدان الهوية الوطنية المشتركة، شعور بأن “الأجهزة هي الدولة”.هذه ليست مخاطر سياسية…هذه مخاطر وجودية.

النتيجة الحاسمة:إذا تجاهلنا الأزمة فستقف الدولة على قدم واحدة، تهتز عند أول أزمة،دون برلمان، دون شرعية، دون أمان سياسي.اللهم فاشهد فإني قد أبلغت

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى