بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالات

د. حسام بدراوي يكتب: مصر وقرار مجلس الأمن حول غزة بين عبء الدور وفرصة إعادة صياغة الإقليم

لم يكن قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة مجرد خطوة أممية عابرة، بل تحوّلًا مفصليًا يعيد تشكيل موازين القوى في الإقليم، ويضع مصر مجددًا أمام اختبار الدور التاريخي الذي لم تتخلّ عنه يومًا، وإن تراجع بريقه في بعض المراحل. القرار، الذي يفتح الباب أمام قوة دولية لتثبيت الأمن داخل غزة وبدء مرحلة انتقالية واسعة، يُلقي بثقله على القاهرة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. غير أنه، في الوقت نفسه، يمنحها فرصة قلّما تتكرر لإعادة ضبط الإقليم على إيقاع أقرب إلى المصالح العربية، ولتجديد حضورها بوصفها الدولة المركزية الوحيدة القادرة على الإمساك بخيوط الملف الفلسطيني.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، ظلّ السؤال الأكبر: هل يمكن منع السيناريو الأخطر، وهو تهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية؟

كانت مصر صريحة وحاسمة في هذا الملف. لم تُهادن ولم تساوم. واليوم، حين يتحدث قرار مجلس الأمن عن تثبيت الأمن داخل القطاع نفسه وإعادة إعماره من الداخل، فإنه – من دون إعلان – يقرّ بأن القاهرة نجحت في تثبيت الخط الأحمر: غزة للفلسطينيين، وليس لتمزيق تركيبة سيناء.

وبهذا المعنى، فإن القرار الأممي ليس فقط وثيقة قانونية، بل شهادة سياسية بأن الدور المصري كان صلبًا ومُقنعًا وضروريًا.

قوة دولية.. أعباء ومكاسب

من المتوقع، بحسب ما يتسرب من العواصم المعنية، أن تكون مصر شريكًا رئيسيًا أو حتى قائدًا فعليًا لقوة التثبيت في غزة.

هذا الدور يحمل وجهين

العبء: 

  • بيئة أمنية شديدة التعقيد داخل قطاع مدمّر.
  • وجود فصائل مسلحة قد ترى في القوة الدولية مسًّا بموقعها السياسي.
  • توقعات فلسطينية عالية من مصر قد يصعب تحقيقها في ظل تعقيدات التمويل والقدرات الدولية.
  • حساسية الرأي العام المصري والعربي تجاه أي مشاركة يُمكن أن تُفهم خطأً على أنها “وصاية” أو “رقابة”

المكسب:

  • صياغة أولويات القوة الدولية بما يضمن عدم تحويل غزة إلى ساحة نفوذ جديدة لخصوم مصر.
  • تثبيت مصر كقائد إقليمي لا غنى عنه في الملف الفلسطيني.
  • منع تمدد الفوضى أو تهريب السلاح إلى سيناء.
  • فتح باب شراكات اقتصادية وسياسية مع أوروبا والخليج عبر ملف إعادة الإعمار.

إن القيادة ليست مجانية، بل مكلفة؛ ولكنّ غيابها قد يكون أكثر كلفة، لأن ترك المساحة لقوى إقليمية أخرى يعني تغييب الرؤية المصرية واستبدالها بترتيبات قد تكون خطرة على الأمن القومي المصري.

إعادة إعمار غزه يحتاج  دبلوماسية جديدة

تستعد القاهرة لاستضافة مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة، وهو حدث يتجاوز رمزيته. إذ يمكن أن يتحوّل إلى منصة لإعادة الاعتبار للدور العربي – الذي تفكك وتشظّى خلال العقد الماضي – وإلى فرصة لمصر لاستعادة ثقلها الاقتصادي عبر إدارة مشاريع ضخمة في البنية التحتية والإسكان والطاقة.

ذلك أن مصر، بما تملكه من خبرة في إعادة البناء وفي البنية اللوجستية، قادرة على أن تكون الشريك الأكثر قدرة على إعادة الحياة إلى القطاع، بشرط أن يُدار الملف بنزاهة ورؤية استراتيجية واضحة، لا بالمنطق الإداري الروتيني.

 المعضلة السياسية لم تُحل ومنطق الدولتين ما زال غائبًا.  القرار الأممي يتحدث عن مرحلة انتقالية قبل تسليم السلطة لسلطة فلسطينية “مُصلحة”.

هذا التعبير وحده يكشف هشاشة الترتيب المقترح: سلطة بحاجة إلى إصلاح جذري، وغزة بلا بنية حكم، وقوة دولية مؤقتة، ودور أمريكي حاكم للمشهد.

هنا يصبح دور مصر محوريًا؛ فالقاهرة هي الأقدر على ضمان أن التسوية لا تتحول إلى “إدارة أزمة طويلة” بلا أفق سياسي.

ومصر هي الطرف الذي يستطيع – بحكم خبرته وثقله واتصالاته – أن يربط الترتيب الأمني بمسار سياسي يؤدي فعليًا إلى دولة فلسطينية، وليس مجرد “هدنة طويلة” أو “حكم ذاتي موسع”.

ما الذي يجب على مصر أن تفعله؟

من وجهة نظري، على مصر أن تعتمد ثلاثة مبادئ واضحة في المرحلة المقبلة:

قيادة مشروطة لا مفتوحة

أى أن تقبل مصر الدور القيادي، لكن بشروط:

  • ولاية محددة زمنيًا للقوة الدولية.
  • جدول زمني لإعادة السلطة الفلسطينية، لا حكم انتقالي بلا نهاية.
  • ضمان وحدة الأراضي الفلسطينية جغرافيًا وسياسيًا وربط غزة بالضفة .

الواقع المفروض يتكلم عن تقسيم غزة نفسها، “شمال وجنوب”. ونشم رائحةً التوجه الاسرائيلي نحو بقاء الاحتلال.

تلعب إسرائيل وأمريكا علي تفكك القيادة الفلسطينية  وانقسام الفصائل الفلسطينية علي نفسها وغياب الموقف العربي الموحد.

قبول مصر قرار أمريكا تحت مظلة مجلس الأمن نابع من أن عدم القبول اسوأ في اللحظة الحالية علي الشعب الفلسطيني  واستمرار الإباده، وعليه كان القبول.

أري اهمية فصل الدور الأمني عن المسار  السياسي، ولا ينبغي أن يظهر أن مصر تنفّذ أجندة إقليمية أو دولية تتعلق بنزع السلاح فقط.

الدور الأمني يجب أن يكون متوازنًا مع التزام واضح: الصيغة النهائية هي دولة فلسطينية كاملة السيادة حتي وإن لم نتناطح مع ترامب في اللحظة الحالية.

علي مصر استثمار الدور الذي تتحملها للحصول على مكاسب حقيقية.

الدور المصري في غزة يجب أن يُترجم:

  • دعمًا اقتصاديًا مباشرًا.
  • تسهيلات في الديون.
  • عقود إعمار كبيرة للشركات المصرية.
  • دورًا تفاوضيًا أصيلًا مع العواصم الكبرى. في رأيي أن مصر أمامها فرصة تاريخية وتحدي مخيف في نفس الوقت

هذه لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط ساحة لإعادة توزيع النفوذ، ويأتي قرار مجلس الأمن رغم مساوئه،  ليمنح مصر فرصة نادرة لتثبيت رؤيتها: لا تهجير، لا وصاية، لا دولة بلا أفق.

وإذا أحسنت القاهرة إدارة المرحلة، فقد تعيد صياغة المعادلة كلها:

غزة تستعيد حياتها، وفلسطين تستعيد مسارها، ومصر تستعيد موقعها.

المعادلة ليست سهلة، لكنها ممكنة.

والدول الكبرى لا تُقاس بنفوذها العسكري فقط، بل بقدرتها على حماية جيرانها، وصناعة المستقبل، وحفظ توازن الإقليم.

ومصر، تاريخيًا، كانت دائمًا واحدة من هذه الدول.

 

لقراءة المقال الأصلي اضغط هنا

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى