بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2025كل المقالاتموقع ايجبتك

د. حسام بدراوي يكتب لـ«إيجبتكِ» قراءة فلسفية واجتماعية لآية ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾

«الهمزة»، هي  العيب  في الناس و أذيتهم، إمّا بالقول المباشر الجارح، أو بالإشارة المهينة، أو حتى بالفعل الذي يُشعر الآخر بالتصغير، كأن يطعن إنسان في شخصٍ حاضر، أو يغمزه  ليُسقط من شأنه.« اللمزة»، هي الطعن واغتياب الآخر في غياب الناس، يلمزهم من وراء ظهورهم بالغيبة والهمز الخفيّ، فينقل السخرية في الظلّ ويشوّه السمعة دون مواجهة.واجتماعهما في الآية القرآنية، يدل على الشمولية.. أي أن الله توعد من يجمع بين السلوك العلني في الإيذاء (الهمز)، والسلوك الخفي (اللمز)، فكأنها رسالة بأن الأخلاق الرديئة، سواء ظهرت أو اختبأت، هي مرفوضة ومدمّرة للعلاقات الإنسانية.

أولًا.. البُعد الأخلاقي

الآية تضع حدًّا فاصلًا بين حرية التعبير وبين جرح الكرامة الإنسانية، فاللسان والإشارة ليست مجرد أدوات تواصل، بل أسلحة قد تُدمّر إنسانًا نفسيًا واجتماعيًا، من هنا يظهر عمق التحذير القرآني: أن قيمة الإنسان في كرامته، وأي اعتداء لفظي أو معنوي عليها هو عدوان يستوجب الوعيد.

ثانيًا.. البُعد النفسي

•           الهمزة (الإيذاء العلني) يولّد لدى الضحية إحساسًا بالعار والإذلال.•           اللمزة (الإيذاء الخفي) يزرع القلق والريبة ويدمر الثقة بالنفس، لأن الضحية يشعر أن صورته مشوهة في غيابه.اليوم، نسمي هذا في علم النفس التنمّر (Bullying) والتنابز الاجتماعي، حيث تتحول السخرية والاغتياب إلى أدوات قهر جماعي. والقرآن سبق ليدرك خطورة هذا الأثر على نفسية الفرد والمجتمع.

ثالثًا.. البُعد الاجتماعي

المجتمع الذي يشيع فيه الهمز واللمز، مجتمع مفتّت،  تضعف فيه الثقة المتبادلة، يسود جو من الشك والعداء، تُهمَّش فيه الطاقات الخلّاقة لأن أصحابها يُحبطون بالسخرية والانتقاص، إنها صورة قريبة جدًا مما نراه اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي.. «الهمزة» تساوي التنمّر المباشر بالتعليقات الجارحة. «اللمزة» تتوافق مع  الهمز من وراء الستار في الغرف المغلقة أو المجموعات الخاصة، وكأنّ الآية الكريمة تحذّرنا من صورة معاصرة لمجتمع رقمي ينهش فيه بعضنا كرامة بعض.

رابعًا.. البُعد الفلسفي

القرآن لا يكتفي بوصف السلوك، بل يربطه بغاية وجودية فالإنسان خُلق ليكون خليفة في الأرض، أي لبناء العمران ونشر الرحمة.. «الهمز واللمز»، يقفان نقيضًا لهذه الغاية، إذ يحطّان من قدر الإنسان بدل أن يرفعاه، إذًا، هذه الآية ليست فقط نهيًا أخلاقيًا، بل هي بيان فلسفي.. أن الوجود الإنساني لا يستقيم مع العدوان اللفظي والمعنوي، لأنه يدمّر مشروع الإنسان الحضاري.

خامسًا.. الدرس المعاصر

في المدارس والجامعات، يمكن إدخال هذه القيم في برامج مكافحة التنمّر: الآية تصبح إطارًا مرجعيًا يُظهر أن التنمّر ليس فقط خطأ اجتماعيًا، بل خطيئة روحية.      في السياسة والإعلام، يمكن استلهامها لمحاربة خطاب الكراهية والتشهير، في تربية الأجيال، تُعلّمنا أن صيانة الكرامة الإنسانية مقدمة على أي شكل من أشكال المزاح أو النقد غير البنّاء.باختصار،  الآية مرايا إنسانية تكشف لنا أن التنمّر والسخرية والاغتياب ليست مجرد أفعال يومية عابرة، بل هي جرائم وجودية تُهدّد تماسك المجتمع وكرامة الفرد. 

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى