
هناك جملة تتكرر في كل خطط التنمية : “علينا ربط التعليم بسوق العمل”. جملة مألوفة، مطمئنة، لكنها — رغم نواياها الطيبة — تخفي خطأً فلسفيًا جوهريًا: أيُّ سوق عمل نقصد؟ وهل سوق العمل الذي نعرفه اليوم هو نفسه الذي ينتظر أبناءنا بعد عشر سنوات؟
سوق العمل ليس كيانًا ثابتًا؛ إنّه متقلّب، متحوّل، يعاد تشكيله كلما ظهرت تكنولوجيا، أو تغيرت بنية الاقتصاد، أو تبدلت أولويات المجتمع. فكيف نربط نظامًا تعليميًا طويل الأمد… بسوق قصير العمر يتغير كل خمس سنوات وربما كل عام؟
التعليم إذا تبِع السوق تأخّر عنه، والربط التقليدي بين التعليم وسوق العمل يفترض وجود سوق واضح ومستقر يمكن رسمه على لوح، ثم تعديل المناهج لتخدمه، لكن الحقيقة أن التعليم أبطأ من سرعة التغيير الاقتصادي، وحين نربط التعليم بسوق اليوم، نكون قد ربطناه — دون أن نشعر — بسوق أمس المستقبل.
الأخطر من ذلك أننا إذا جعلنا هدف التعليم “تلبية احتياجات السوق”، فنحن نحول المدارس والجامعات إلى ورش تصنيع مهارات جاهزة، بينما الأسواق الحديثة تحتاج إلى عقول مبدعة قادرة على خلق وظائف جديدة، لا مجرد الاندماج في وظائف قائمة.
الهدف الجديد هو ربط التعليم بالمعرفة.. وبمهارات التغيير …بدلًا من مطاردة سوق لا نعرف ملامحه بعد.علينا أن نربط التعليم بشيئين أكثر ثباتًا وفاعلية:
أولًا: المعرفة التي تُغيّر السوق:
المعرفة العلمية والتكنولوجية والثقافية ليست رد فعل لسوق العمل؛ هي التي تُعيد تشكيله. من يمتلك المعرفة يصبح قادرًا على ابتكار صناعات، وتحويل مسارات، وخلق أسواق جديدة بالكامل. وهذه هي القوة الفوقية التي يجب أن نبني عليها: تعليم يقود السوق… لا يتبعه.
ثانيًا: المهارات التي تُمكّن الشباب من مواكبة المستقبل:
سوق العمل القادم لن يكون ثابتًا، لكن مهارات معينة ستظل صالحة وفاعلة:
هذه ليست مهارات موجهة لسوق معين، بل لسياقات متغيّرة لا يمكن التنبؤ بها.
تعليم اليوم هو الذي يُصنع عليه سوق الغد وما نوده هو أن نكون دولة رائدة، لا نتحدث عن تعليم لخدمة السوق، بل عن تعليم يخلق السوق.
إن الصناعات التكنولوجية الكبرى لم تظهر لأنها كانت مطلوبة في سوق العمل،بل لأنها ظهرت أولاً في الجامعات والمعامل ومراكز الابتكار… ثم صنعت سوق عمل جديدًا بالكامل.
التعليم الذي نقدمه اليوم سيخلق العالِم، والمبتكر، والمهندس، ورائد الأعمال الذي يعيد هندسة احتياجات السوق بعد عشر سنوات، والطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في خدمة المهنة والإنسانية، والعامل القادر على استخدام التكنولوچيا. حتى العامل البسيط والحرفي الماهر سيحتاجون إلى العلم والمعرفة لتتطور مهاراتهم في إطار منافسة قادمة مع الآلة.
تجارب النهوض الناجحة في العالم وهي أيضاً نماذج من الماضي مثل سنغافورة، كوريا الجنوبية، فنلندا، إستونيا، لم تبدأ بمطاردة السوق، بل بوضع رؤية فلسفية واضحة: «أي إنسان نريد؟»، ثم صيغت المناهج والسياسات والاستثمارات تبعًا لهذه الرؤية.
كوريا في الستينيات خرّجت عشرات الآلاف من المهندسين والفيزيائيين رغم أن السوق المحلي لم يكن يستوعبهم، لكن الدولة راهنت على المستقبل فأسست سامسونغ وهيونداي لاحقًا لتستوعب هذه الكفاءات وتقود العالم. نحن اليوم نُخرج شبابًا لسوق موجود، والمطلوب أن نُخرج شبابًا يصنع سوقًا لم يوجد بعد.
على قادة الدول أن ينتبهوا: هدف التعليم قد تغيّر مع تغيّر نمط الحياة وسرعة التحولات الاقتصادية، لم يعد الهدف من التعليم تجهيز موظفين للسوق بل تجهيز عقول قادرة على صناعة أسواق جديدة. هذه الفلسفة يجب أن تكون أساس كل إصلاح.
المعادلة الجديدة هي التعليم لصناعة المستقبل، حين نضع هذه الرؤية في السياسات العامة، ستتغير قرارات كثيرة:
وعندها فقط يصبح التعليم ليس تابعًا للمستقبل… بل صانعه.
إن المعرفة كما ذكرت في هذا المقال هدف متحرك ومضمونها يتهالك مع مرور الزمن، ولذلك لا بد من العمل المستمر للحصول على المعارف الجديدة حتى تستمر التنمية ويزدهر التقدم الذي تحرزه البلد، ومن هنا جاء تأكيدنا على أهمية التدريب والتعلم مدى الحياة، ويتضمن اتجاه السياسات التي أتبناها في هذا المجال وهي نشر ثقافة التعلم المستمر مدى الحياة وعدم قصر التعلم على سنوات الدراسة، ومد صلاحية الشهادات والسماح بحرية الحركة في العملية التعليمية، خروجا منها وعودة إليها.
كلما أسرع العالم في التغير، أصبح التعليم هو حجر الأساس الوحيد القادر على حفظ التوازن بين الإنسان والمستقبل. والأمم التي تربط تعليمها بسوق اليوم ستظل في ذيل الركب، أما الأمم التي تربطه بالمعرفة وبمهارات الغد… فهي التي ستقود العالم.
يا قادة العالم بذرة النهضة تحتاج تربة فلسفية عميقة كي تثمر أمة لا مجرد قوة عاملة. فلا تدعوا الحسابات الآنية والبيروقراطية الرتيبة تحول رغبتكم الحميدة إلى مجرد إجراءات شكلية أو مشروعات براقة قصيرة الأجل.

