
بعد أن انتهيت من الكتابة عن مريم العذراء، بقي سؤال يلحّ عليّ.
كنت قد كتبت عن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وعن مريم التي حملت طفلها هربًا من بطش هيرودس، وعن مصر التي احتضنتها بحسب التقليد المسيحي. ثم توقفت أمام سؤال مختلف:
أين كل ذلك في التاريخ المصري القديم؟
بل أين إبراهيم الذي تقول الروايات الدينية إنه جاء إلى مصر؟ وأين يوسف الذي أصبح، بحسب الرواية التوراتية والقرآنية، صاحب مكانة كبرى في إدارة البلاد؟ وأين موسى وفرعون والخروج العظيم لبني إسرائيل؟
حضارة مثل الحضارة المصرية تركت لنا جبالًا من النقوش والبرديات والمعابد والمقابر والسجلات، ومع ذلك لا نجد حتى الآن توثيقًا مصريًا مباشرًا وحاسمًا لهذه الشخصيات والأحداث بالصورة التي نعرفها من الكتب المقدسة.
وهنا يبدأ السؤال الذي يشغلني.
ماذا نفعل عندما تسير الرواية الدينية في طريق، بينما يسير التاريخ الموثق وعلم الآثار في طريق آخر؟
هل يعني ذلك أن الرواية الدينية غير صحيحة؟
أم أن السؤال نفسه قد يكون مطروحًا بطريقة خاطئة؟
ربما كانت المشكلة أننا نطلب من النص الديني ما لم يأتِ أصلًا لكي يقدمه.
فنحن أبناء عصر يؤمن بالتوثيق. نريد اسم الملك، والسنة، والمكان، والوثيقة، والشاهد الأثري. أما الإنسان القديم فلم يكن دائمًا يروي الماضي بالطريقة نفسها. كان التاريخ عنده يمتزج بالذاكرة، والرمز بالحدث، والشعر بالحقيقة، والأسطورة بالفلسفة.
ولعل المثال الأكبر هو قصة الخلق.
هل ينبغي أن نقرأ قصة آدم باعتبارها تقريرًا بيولوجيًا عن ظهور الإنسان على الأرض؟
إذا فعلنا ذلك فسوف نصطدم فورًا بعلم التطور والأنثروبولوجيا وعلم الجينات، التي ترسم لنا مسارًا بالغ الطول والتعقيد لتطور الإنسان.
لكن ماذا لو لم تكن قصة آدم درسًا في علم الأحياء أصلًا؟
ماذا لو كان السؤال الذي تطرحه القصة ليس: كيف تكوّن جسد الإنسان؟ وإنما: متى أصبح هذا المخلوق إنسانًا أخلاقيًا؟
عندها تصبح الشجرة رمزًا للاختيار، في السرد الديني ، ويصبح الأكل منها لحظة وعي، ويصبح اكتشاف العري ميلادًا للخجل، ويصبح الخروج من الجنة انتقالًا من البراءة الغريزية إلى المسؤولية الإنسانية.
وبهذه القراءة لا يصبح آدم منافساً لداروين.
داروين يسأل: كيف تطور الكائن الذي نسميه الإنسان؟
أما قصة آدم فقد تكون تسأل: متى أصبح هذا الكائن مسؤولًا عن الخير والشر؟
الأول سؤال في البيولوجيا.
والثاني سؤال في الوعي والأخلاق.
والأمر نفسه يمكن أن يقال عن طوفان نوح.
فالطوفان ليس قصة حكرًا على الكتب السماوية. حضارات أقدم من النصوص التوراتية المعروفة تركت لنا روايات عن فيضانات كبرى، ولعل أشهرها قصة أوتنابشتم في ملحمة جلجامش، وقبلها تقاليد بلاد الرافدين القديمة.
وهنا يصبح التشابه أكثر إثارة من الاختلاف.
هل وقع طوفان هائل بالفعل وبقي في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة، ثم أعادت الحضارات صياغته بلغاتها ورؤاها الدينية المختلفة؟
أم أن الماء نفسه أصبح رمزًا إنسانيًا متكررًا للموت والتطهير والبداية الجديدة؟
ربما حدث الاثنان معًا.
فقد يكون وراء الأسطورة حدث تاريخي، لكن الذاكرة البشرية لا تحتفظ دائمًا بالحدث كما وقع، وإنما تحتفظ بما عناه لها.
وهنا أصل إلى الفارق الذي أراه مهمًا بين ثلاثة أنواع من الحقيقة:
الحقيقة التاريخية تسأل: ماذا حدث؟
والحقيقة العلمية تسأل: كيف حدث؟
أما الحقيقة الدينية أو الرمزية فتسأل: ماذا يعني ذلك للإنسان؟
والمشكلة تبدأ عندما نجبر واحدة منها على القيام بوظيفة الأخرى.
فالعلم لا يستطيع أن يثبت معنى الرحمة أو الغفران في المختبر، كما أن النص الديني ليس كتابًا في الجيولوجيا أو الوراثة أو علم الآثار.
وهذا يقودنا إلى موسى.
حتى الآن لا نملك دليلًا أثريًا مصريًا مباشرًا وحاسمًا يطابق قصة موسى والخروج بكل تفاصيلها كما وردت في النصوص الدينية. لكن عدم العثور على هذا الدليل لا يسمح لنا علميًا بالقفز إلى القول إن موسى لم يوجد.
التاريخ أكثر تواضعًا من ذلك.
يقول المؤرخ: لا أملك دليلًا مستقلًا كافيًا لإثبات الحدث بهذه الصورة.
وهذه جملة تختلف جذريًا عن القول: لقد أثبتُّ أن الحدث لم يقع.
ثم إن السجلات القديمة نفسها ليست مرآة كاملة للماضي. فالملوك كانوا يسجلون انتصاراتهم أكثر مما يسجلون هزائمهم، والنقوش الرسمية كانت أدوات للسلطة بقدر ما كانت وسائل للتوثيق.
لذلك فالصمت التاريخي مهم، لكنه ليس دائمًا حكمًا نهائيًا.
أما المسيح فالحالة مختلفة قليلًا.
فالمؤرخون المعاصرون لا يعتمدون فقط على الأناجيل في الحديث عن وجود يسوع التاريخي، بل توجد إشارات قديمة غير مسيحية إليه وإلى أتباعه في المصادر الرومانية واليهودية. وجاء القرآن ليسجلها برؤية مختلفة. ولذلك فإن وجود شخصية تاريخية اسمها يسوع الناصري يحظى بقبول واسع بين الباحثين، بينما تبقى المعجزات والقيامة وطبيعته الإلهية قضايا إيمان ولاهوت، لا يستطيع علم التاريخ إثباتها أو نفيها بالأدوات نفسها.
وهذا التمييز ضروري.
فقد يستطيع المؤرخ أن يبحث: هل عاش هذا الرجل؟
لكنه لا يمتلك أداة أثرية تجيب عن السؤال: هل كان ابن الله؟ أو هل كان نبيًا؟ أو هل كانت معجزاته تدخلًا إلهيًا؟
هنا تنتهي أدوات التاريخ، ويبدأ مجال آخر من المعرفة والإيمان.
وربما كانت مشكلتنا الحديثة أننا نريد حقيقة واحدة تؤدي كل الوظائف.
نريد من العلم أن يجيب عن معنى الحياة، ومن الدين أن يشرح عمر الكون، ومن التاريخ أن يثبت المعجزات، ثم نعلن التناقض عندما تعجز كل أداة عن أداء وظيفة لم تُصنع لها.
وأنا لا أرى ضرورة لهذا الصراع.
يمكنني أن أؤمن بالمعنى الديني لقصة آدم، وأن أقبل في الوقت نفسه الأدلة العلمية على تطور الإنسان.
ويمكنني أن أتأمل في طوفان نوح بوصفه قصة عن فساد الإنسان والنجاة والبداية الجديدة، وأن أبحث في الوقت نفسه عن جذوره في ذاكرة فيضانات بلاد الرافدين.
ويمكنني أن أقرأ قصة موسى باعتبارها واحدة من أهم سرديات التحرر في الوعي الإنساني، وفي الوقت نفسه أعترف بأن علم الآثار لم يقدم حتى الآن البرهان الذي يحول كل تفاصيلها إلى تاريخ موثق.
هذا لا ينتقص من الدين.
بل ربما يحرره من معركة لم يكن مطالبًا أصلًا بخوضها.
فالرمز ليس كذبًا.
والأسطورة، بالمعنى الحضاري للكلمة، ليست بالضرورة خرافة.
إنها أحيانًا الطريقة التي تحفظ بها الإنسانية أسئلتها الكبرى عندما تعجز اللغة العادية عن حملها.
لقد استخدم البشر القصة قبل أن يخترعوا الفلسفة.
حكوا عن الشجرة لكي يتحدثوا عن الاختيار.
وعن الطوفان لكي يتحدثوا عن الفناء والبداية.
وعن الخروج لكي يتحدثوا عن الحرية.
وعن الجنة المفقودة لكي يتحدثوا عن البراءة التي لا يمكن استعادتها بعد أن يولد الوعي.
وهنا ربما نعيد تعريف السؤال كله.
بدلًا من أن نسأل فقط:
هل حدثت القصة حرفيًا كما رُويت؟
يمكن أن نضيف سؤالًا آخر:
لماذا ظلت البشرية ترويها آلاف السنين؟
فالحدث الذي وقع مرة ينتمي إلى التاريخ.
أما القصة التي تستطيع أن تعيش آلاف السنين، وأن تعبر اللغات والحضارات والأديان، فقد أصبحت جزءًا من شيء أوسع: ذاكرة الإنسان عن نفسه.
وهذا لا يعني أن نتخلى عن البحث التاريخي أو أن نحتمي بالرمزية كلما ناقضتنا الأدلة. على العكس، يجب أن نترك علم الآثار يبحث بحرية، والعلم يتقدم بلا خوف، والمؤرخ يشك ويفحص ويقارن.
الإيمان الذي يخشى السؤال يصبح هشًا.
والعلم الذي يعتقد أنه يستطيع الإجابة عن كل أسئلة الوجود يتجاوز هو الآخر حدوده.
ربما لا يكون المطلوب أن ينتصر أحدهما على الآخر، بل أن نعرف أي سؤال نوجه إلى أي باب.
فعندما أسأل عن عمر الأرض، أذهب إلى العلم.
وعندما أسأل عما حدث في عهد رمسيس، أذهب إلى التاريخ وعلم الآثار.
أما عندما أسأل لماذا يجب ألا أقتل، ولماذا أشعر بالذنب، وما معنى الرحمة، ولماذا يبحث الإنسان عن الله وعن الخلود، فإنني أدخل فضاءً آخر لا تكفي فيه الحفريات وحدها.
وربما كان أجمل ما في القصص الدينية أنها لم تبقَ لأنها أعطتنا سجلًا كاملًا لما حدث، بل لأنها حاولت أن تجيب عن سؤال أكثر صعوبة:
ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟
وهنا قد يلتقي المؤمن والمؤرخ والعالم والفيلسوف دون أن يضطر أحدهم إلى إلغاء الآخر.
فالتاريخ يبحث عن آثار الإنسان على الأرض.
والعلم يبحث عن القوانين التي صنعت وجوده.
أما الدين والفلسفة فيبحثان، كل بطريقته، عن معنى أن يكون هذا الإنسان موجودًا أصلًا.
وبين الحقيقة والمعنى تظل هناك مساحة مفتوحة للسؤال.
وربما كان السؤال نفسه أحد أعظم الهبات التي مُنحت للإنسان




