بقلم د. حسام بدراويد. حسام بدراوي في عام 2026كل المقالاتموقع الحرية

حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: الوجه الآخر للساحل الشمالي

كلما جاء الصيف وامتلأ الساحل الشمالي بالمصطافين، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي في المقابل بصور السخرية والانتقاد.
يصبح إنفاق الناس مادة للإدانة، وتتحول حفلاتهم وملابسهم ومطاعمهم وسياراتهم إلى دليل على الانفصال عن المجتمع، وكأن الفرح تهمة، والمصيف خطيئة، والإنفاق في ذاته فعل يستوجب الاعتذار.

وأنا لا أنكر أن في الساحل أحياناً مظاهر مبالغة، ولا أن تفاوت الدخول في مصر واقع مؤلم يستحق المواجهة، ولا أن بعض الأسعار والسلوكيات قد تتجاوز حدود الذوق.
لكن السؤال الذي يشغلني هو: لماذا نرى جانبًا واحدًا فقط من الصورة؟ ولماذا نُحسن اكتشاف ما نرفضه، ونعجز عن رؤية ما يستحق التقدير؟
لقد عرفت من مؤسسي وإدارة قرية ألماظة الجميله التي اقضي بعض الأسابيع فيها مع أسرتي أن عدد العاملين فيها، بصورة مباشرة وغير مباشرة، يصل إلى نحو أربعة آلاف موظف وعامل. وإذا كان الساحل الشمالي يضم أكثر من مائة وخمسين قرية ومنتجعًا سياحيًا، تتفاوت بطبيعة الحال في مساحاتها وحجم نشاطها وعدد العاملين فيها، فإننا نكون أمام قطاع ضخم قد يوفر خلال الموسم مئات الآلاف من فرص العمل.
وقد يصل الرقم، وفق تقدير أولي يحتاج بالتأكيد إلى دراسة رسمية دقيقة، إلى قرابة نصف مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

وراء كل عامل أسرة تنتظر دخله، وأطفال يعتمدون عليه، وبيت تتحسن قدرته على مواجهة تكاليف الحياة.
إننا لا نتحدث فقط عن العاملين داخل القرى؛ بل عن منظومة اقتصادية كاملة: عمال البناء والصيانة، ومهندسي الكهرباء والمياه، والأمن والنظافة، والطهاة والنوادل، والجناينية والسائقين، والبحارة والمنقذين، والعاملين في الفنادق والمطاعم والمتاجر، وموردي الأغذية والمشروبات والأثاث والمفروشات، وشركات النقل والاتصالات والترفيه، ومئات المهن والخدمات التي لا تظهر في الصور المنشورة على مواقع التواصل.

خلف كل مائدة في مطعم أيدٍ مصرية تعمل. وخلف كل بيت تتم صيانته حرفي يحصل على أجر. وخلف كل حفل موسيقي عمال وفنيون ومهندسون وشباب ينظمون ويحرسون وينقلون ويضيئون المكان. وخلف كل جنيه ينفقه المصطاف سلسلة من الدخول تصل إلى أشخاص ربما لا يذهبون إلى الساحل للاستجمام، لكنهم يستفيدون اقتصاديًا من وجوده.

ولذلك فإن الحديث عن ملايين الزيارات إلى الساحل خلال شهور الصيف لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد حشد من الأثرياء يبحثون عن المتعة، بل باعتباره حركة اقتصادية واسعة. وإذا كان نحو ستة الي ثمانية ملايين رحلة وزيارة تتحرك في هذه المنطقة خلال الموسم، فإن هؤلاء لا يستهلكون الرمال والبحر؛ بل يشترون سلعًا، ويطلبون خدمات، ويخلقون طلبًا، والطلب يشغّل الناس ويدفع عجلة الإنتاج.
ناهيك عن السياحة العربية والأجنبية والعملة الصعبة التي تنفق والرواج الاقتصادي الذي تعم نواتجه علي الجميع.
قد يقول قائل إن هذه عمالة موسمية، وهذا صحيح جزئيًا. لكن العمل الموسمي أفضل من البطالة الدائمة، والدخل الذي يحصل عليه العامل خلال الصيف قد يساعد أسرته طوال شهور أخرى. والمطلوب ليس إدانة الموسم، بل التفكير في كيفية إطالته، ورفع كفاءة العاملين فيه، وتحويل الساحل من مقصد لا يعمل إلا ثلاثة أو أربعة شهور في السنة إلى منطقة سياحية واقتصادية تعمل معظم شهور السنة.
لماذا لا يمتد النشاط إلى الربيع والخريف؟ ولماذا لا تستضيف المنطقة المؤتمرات والمعارض والمهرجانات الرياضية والفنية والثقافية طوال العام؟ ولماذا لا نطور التدريب المهني، ونرفع جودة الخدمات، وننشئ منظومة نقل جماعي أفضل، ونزيد الفنادق التي تستقبل السياحة الخارجية بدلًا من الاكتفاء بالملكية العقارية الموسمية؟
هذه هي الأسئلة التي تبني، أما الاكتفاء بالسخرية فلا يخلق فرصة عمل واحدة.
ثم ما العيب في أن يسعد الناس؟
هل أصبح لزامًا على الإنسان أن يخفي فرحته احترامًا لمعاناة الآخرين؟ وهل علاج الفقر أن يتوقف القادرون عن الإنفاق، أم أن يُوجَّه إنفاقهم داخل الاقتصاد الوطني، فتدور النقود وتخلق العمل والدخل والضرائب والاستثمار؟
العدالة الاجتماعية لا تعني تعميم الحرمان، والمساواة لا تتحقق بإطفاء أنوار البيوت المضيئة، بل بإيصال الكهرباء إلى البيوت المحرومة. ولا يكون الحل في أن نحزن جميعًا، وإنما في أن نجعل فرص السعادة والعمل والحياة الكريمة متاحة لأعداد أكبر من الناس.
ما ينبغي انتقاده ليس الفرح، بل الإقصاء. وليس الإنفاق، بل الفساد أو الإسراف المؤذي أو التهرب من الواجب الاجتماعي. وليس نجاح القرى السياحية، بل غياب التخطيط الذي يربط نجاحها بتنمية المجتمعات المحيطة بها.
ومن حقنا أن نطالب بأن تمتد فوائد الساحل إلى القرى والمدن المجاورة؛ في صورة طرق ومدارس ومستشفيات وتدريب وفرص عمل لائقة.
ومن حقنا أن نطالب بشواطئ عامة جيدة، لأن البحر ليس امتيازًا طبقيًا. ومن حقنا أن نسأل عن حماية البيئة، وترشيد المياه والطاقة، وضبط الأسعار، وصون كرامة العاملين، وتأمينهم اجتماعيًا وصحيًا.
لكن المطالبة بهذه الحقوق تختلف جذريًا عن إدانة الساحل كله، أو تصوير كل من يذهب إليه باعتباره إنسانًا مستفزًا منفصلًا عن وطنه.
المجتمعات لا تتقدم بكراهية الناجحين ولا بالسخرية من السعداء، وإنما بتحويل النجاح الفردي والمؤسسي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية أوسع. وإذا كان الساحل قد استطاع أن يجذب ملايين الزيارات، ويشغّل مئات الآلاف، ويخلق موسمًا اقتصاديًا ينتظره الناس كل عام، فهذا إنجاز يستحق أن ندرسه ونطوره، لا أن نهدمه معنويًا.
وأقترح أن تجري الدولة، بالتعاون مع أصحاب القرى والمنشآت السياحية، إحصاءً حقيقيًا لعدد فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي يولدها الساحل، وحجم الأجور والمشتريات والضرائب، ونسبة العمالة القادمة من المحافظات، وعدد الأسر التي تعتمد عليه. فمثل هذا المسح سيكشف لنا أن الصورة أوسع كثيرًا من حفلة صاخبة أو مطعم مرتفع الأسعار.
دعوا الناس تفرح، ودعوهم ينفقون ما دام إنفاقهم مشروعًا، ودعوا شباب مصر يعملون ويكسبون ويكتسبون الخبرة.
ثم لنستخدم العقل في توسيع دائرة المستفيدين، بدلًا من استخدام الغضب في هدم ما تحقق.
ليس المطلوب أن نغلق الساحل لأن الفقراء لا يستطيعون الوصول إليه، بل أن نبني اقتصادًا يجعل عددًا أكبر من المصريين قادرين على الاستمتاع ببحر بلادهم.
فالبهجة ليست خيانة للمجتمع، والعمل ليس ترفًا، والنجاح ليس جريمة. والمجتمع الأكثر عدلًا ليس المجتمع الذي يمنع المتيسرين من الفرح، بل

د. حسام بدراوي

سياسي ومفكر وطبيب بارز فهو رئيس قسم أمراض النساء والتوليد الأسبق في كلية الطب جامعة القاهرة، تلقي الدراسات العليا أعوام 1979 إلى 1981 في الولايات المتحدة الأمريكية، انتخب عضو في البرلمان المصري ورئيساً للجنة التعليم والبحث العلمي في بالبرلمان منذ عام 2000 حتى 2005، السياسي حسام بدراوي عرف بمواقفه المستقلة ومن القلائل الذين اتفق على نزاهته الجميع من كافة التيارات السياسية، ففي عصر الرئيس الأسبق مبارك كان يلقب بالعاقل داخل صفوف الحزب الوطني، حيث كانت نداءاته وطلباته السياسية تتفق بقدر كبير مع النداءات الداعية للانفتاح السياسي والديمقراطي في مصر، فكان ضد تمديد حالة الطواري، واعترض على انفراد الحزب الوطني بالتعديلات الدستورية، خلال ثورة 25 يناير 2011 ، لعب دوراً سياسياً هاما، حيث عبر منذ اللحظة الأولى على حق المتظاهرين في مطالبهم، ودعا الحكومة إلى الاستماع والاستجابة لهم، ما جعل مبارك مع تصاعد الاحداث لما له من شعبية بتعيينه أمينا عاما للحزب خلفا لأعضاء هيئة المكتب وخلال تلك الفترة عبر عن رأيه السياسي لمبارك بضرورة التنحي، وهو ما دفعه للاستقالة من الحزب بعد 5 أيام من تعيينه يوم 10 فبراير معلنا اختلافه السياسي مع القيادة السياسية في طريقة التعامل مع المتظاهرين ومطالبهم في حكم الإخوان فظلت مواقفه واضحة منذ اللحظة الأولى برفضه الدولة الدينية التي اعتبرها تريد تلويين الشعب بلون واحد، واعتبر قرار الرئيس المعزول مرسي بعودة مجلس الشعب ترسيخ للديكتاتورية المؤيدة من الولايات المتحدة، وكان من أوائل المنددين بتوغل سلطة مرسي على سلطة القضاء، مستنكرا محاصرة المحكمة الدستورية العليا من قبل مليشيات الإخوان أيد د حسام بدراوي حركة تمرد مع بدايتها، وأعلن أن إسقاط حكم الإخوان أصبح ضرورة ومخاطرة لابد منها قبل أشهر من ثورة 30 يونيو، مؤكدا أن الجيش سيقف بجانب الشرعية المستمدة من الشعب.. في ٢٠١٦ تم اختياره رئيسا للجنة الاستشارية لمشروع التعليم أولا ورئيسا للجنة وضع رؤية مصر ٢٠٣٠ في التعليم وفي ٢٠٢٢ تم اختياره مستشارا للحوار الوطني لرؤية مصر ٢٠٣٠
زر الذهاب إلى الأعلى